الأرملة اشترت أرضًا مهجورة… وعندما زرعت الذرة، اكتشفت شيئًا لم يكن في الحسبان
المحتويات
أضافت
الأرض هنا لا تعطي.
نظرت تيريزا إلى السماء ثم إلى يديها المتشققتين.
ربما لأنها لم تجد من يصبر عليها.
هزت فاطمة رأسها ورحلت تاركة خلفها صمتا أثقل من كلماتها.
في تلك الليلة لم تنم تيريزا. كانت تستمع إلى أنفاس ابنتيها وتفكر في كل ما يمكن أن تخسره إن فشلت ثم في شيء واحد لا يمكنها تحمل خسارته أن تكبرا وهما تعتقدان أن الاستسلام هو الخيار الطبيعي. عندها فقط اتخذت القرار الذي لم تفهمه هي نفسها تماما.
إن لم تعط الأرض على السطح فستبحث عما تحت السطح.
وحين أشرقت الشمس في صباح اليوم التالي كانت تيريزا قد أمسكت بالمعول من جديد لا لتزرع بل لتضرب الأرض نفسها ضربة أولى أعلنت بها بداية معركة لا تعرف كيف تنتهي لكنها تعرف أنها لا تملك رفاهية الهرب منها.
لم تكن الضربة الأولى للمعول الأقسى بل الثانية ثم الثالثة. فبعد أن يهدأ الجسد من صدمة البداية يبدأ الألم الحقيقي في التسلل بطيئا عنيدا كأنه يختبر صدق النية. كانت تيريزا تضرب الأرض وهي تشعر أن كل ضربة ليست في التراب فقط بل في داخلها أيضا في خوف قديم وفي شك لم تجرؤ على الاعتراف به.
اختارت رقعة بعيدة قليلا عن البيت حيث بدت الأرض أقل تشققا لا لسبب واضح بل لحدس غامض. حفرة لا تشبه حفر الزرع بل
في الأيام الأولى كان الحفر بطيئا. المعول صدئ والتربة قاسية كأنها حجر. كانت تيريزا تعمل في الصباح الباكر قبل أن تبلغ الشمس ذروتها ثم تعود عصرا بعد أن تضع الطعام البسيط لآمنة ومريم. كانت مريم تجلس في الظل تلعب بالتراب بينما تقف آمنة عند حافة الحفرة تراقب أمها بعينين لا تعرفان هل ما يحدث لعبة أم خطر.
ماما ليه بتحفري كده
سألت ذات مرة.
توقفت تيريزا مسحت العرق عن جبينها وقالت
بدور على حاجة مستخبية.
إيه
ابتسمت ابتسامة صغيرة لا واثقة ولا يائسة.
الحياة.
مع مرور الأيام بدأ الجيران يلاحظون. لم يعودوا يكتفون بالنظر من بعيد بل صاروا يقتربون يتجمعون يتهامسون.
حفرة
في أرض دي
دي بتحفر قبرها بإيدها.
وصلت الكلمات إلى أذنيها كما يصل الغبار إلى الرئتين لا يمكن منعه لكن يمكن تجاهله. كانت تسمع ولا ترد. تعلمت في شهور قليلة أن الرد أحيانا ترف لا يملكه من يقاتل للبقاء.
جاءت فاطمة مرة أخرى وقفت على مسافة آمنة من الحفرة ونظرت إلى العمق.
تعتقدين أن هناك ماء
سألت بنبرة لا تحمل
لا أعلم.
إذا لماذا تواصلين
غرست تيريزا المعول في الأرض وأسندت ذقنها على قبضته.
لأنني إن توقفت سأموت واقفة.
هزت فاطمة رأسها ببطء وقالت
لو خرج شيء الناس لن تتركك وشأنك.
لم تفهم تيريزا وقتها عمق التحذير.
مرت أسابيع. الحفرة اتسعت وازدادت عمقا. صار النزول إليها يتطلب حذرا وصارت آمنة تجلس بعيدا كما أمرتها أمها تراقب من الأعلى. جسد تيريزا تغير كتفاها اشتدا يداها امتلأتا بتشققات دامية وظهرها انحنى قليلا. في الليل كانت تنام كمن يسقط بلا أحلام.
وفي القرية تكاثرت الهمسات.
عنيدة.
مجنونة.
ستترك طفلتيها يتيمتين.
وفي إحدى الليالي بينما كانت تيريزا تفرك يديها بالزيت لتخفف الألم اقتربت منها آمنة وهمست
ماما لو ما لقيناش اللي بتدوري عليه
توقفت يد تيريزا في الهواء.
هنلاقي حاجة تانية.
زي إيه
نظرت إليها طويلا ثم قالت بصدق موجع
هنلاقي نفسنا أقوى.
لكن حين نامت آمنة وحين استسلمت مريم لنوم عميق بكت تيريزا بصمت. بكت لأنها لم تكن متأكدة ولأن الأمهات أحيانا يضطررن للكذب ليحمين أطفالهن من الحقيقة القاسية.
ثم جاء ذلك الصباح المختلف.
كان الهواء أبرد قليلا والشمس أقل قسوة كأن الأرض نفسها تراقب. نزلت تيريزا إلى الحفرة التي صارت عميقة إلى
الصوت لم يكن كما قبله.
تجمدت. أعادت الضربة. هذه المرة لم يكن هناك طنين الحجر الجاف بل صوت مكتوم كأن الأرض تئن. شعرت بشيء مختلف تحت قدميها. ركعت وأزاحت التراب بيديها. كانت التربة رطبة.
آمنة!
صرخت وصوتها خرج مرتجفا.
ابعدي شوية!
بدأت تحفر بسرعة بنهم بلهفة وكل ضربة تقربها من شيء لا تجرؤ على تسميته. وفجأة تسلل خيط رفيع لامع من بين التراب.
ماء.
في البداية كان خجولا يتجمع ببطء كأنه يتأكد أن لا أحد سيطرده. ثم وكأن الأرض قررت أخيرا أن تستسلم اندفع الماء بقوة باردا صافيا حيا.
صرخت تيريزا ضحكت بكت سقطت على ركبتيها وتركت الماء يبلل ثوبها وساقيها.
ماء
همست كمن ينطق اسم الله للمرة الأولى.
اقتربت آمنة عيناها متسعتان غير مصدقة.
هو ده اللي كنت بتدوري عليه
رفعت تيريزا رأسها ووجهها مبلل وقالت
ده اللي كان بيدور علينا.
لم تنم تلك الليلة. جلست قرب الحفرة تراقب الماء يتجمع يتدفق لا يتوقف. وفي قلبها ولد سؤال جديد أثقل من التعب وأخطر من العطش
هل ما وجدته نعمة لتحتفظ بها أم أمانة لتتقاسمها
وكانت لا تعرف بعد أن الإجابة على هذا السؤال ستغير مصيرها أكثر مما غيره الماء نفسه.
في الأيام الأولى بعد انبثاق الماء
متابعة القراءة