الأرملة اشترت أرضًا مهجورة… وعندما زرعت الذرة، اكتشفت شيئًا لم يكن في الحسبان
وتكتشف أن ما رأته كان حلما من أحلام التعب أو أن ينضب النبع فجأة كما جاء. كانت تستيقظ قبل الفجر تنزل إلى الحفرة تلمس الماء بيد مرتجفة وتتنفس الصعداء حين تشعر ببرودته الحقيقية.
حفرت مجرى صغيرا بدائيا ووجهت الماء نحو رقعة الأرض الأقرب للبيت. سقت ببطء بحذر كأنها تطعم طفلا مريضا. وبعد أيام حدث ما لم يحدث من قبل. ظهرت براعم خضراء قوية لا ترتجف. أوراق صغيرة تشق التراب بعناد. جلست تيريزا أمامها وبكت لا بصوت عال هذه المرة بل ببكاء هادئ ممتن كأنها تخشى أن يسمعها القدر فيتراجع.
لم يطل الصمت.
لاحظ الجيران التغير أولا في لون الأرض ثم في رائحة الهواء. صار بيت تيريزا محاطا بخضرة خجولة وسط محيط من القحط. لم تعد النظرات سخرية بل حذرا. ثم جاءت فاطمة هذه المرة بلا كلمات قاسية.
عندك ماء صح
لم تنكر تيريزا.
نعم.
بئر
عين.
انتشر الخبر كما تنتشر النار في الهشيم. في اليوم التالي جاء رجل واحد يحمل صفيحتين. وقف بعيدا مترددا.
سمعت
قاطعته تيريزا بهدوء
لو
ثم جاء آخر. ثم امرأة بطفلين. ثم عائلة كاملة. بعضهم جاء بخجل وبعضهم بتوجس وبعضهم بدموع لم يحاول إخفاءها. كانت تيريزا تنظر في وجوههم وترى نفسها كما كانت منذ أسابيع قليلة. العطش ذاته والانكسار ذاته.
لم تطلب مالا. لم تضع شروطا. قالت فقط
خذوا ما تحتاجون. لا أكثر.
لم يكن القرار سهلا. في الليل كانت تحسب ماذا لو نقص الماء ماذا لو احتاجته وحدها لكن كلما عادت تلك الأفكار رأت وجه آمنة وتذكرت لماذا حفرت أصلا.
ومع الماء تغيرت القرية.
بدأت الحقول تستعيد لونها. الحيوانات صارت أقل هزالا. الأطفال توقفوا عن البكاء ليلا. ومع كل ذلك تغير شيء آخر أعمق نظرة الناس إلى تيريزا. صاروا ينادونها دونا تيريزا لا الأرملة ولا المجنونة.
جاءت فاطمة ذات صباح وضعت سلة بيض عند الباب.
هذا أقل ما يمكن.
ثم وبعد تردد
كنت قاسية معك.
ابتسمت تيريزا ابتسامة لا تحمل انتصارا.
كنا جميعا خائفين.
وفي ذلك الزمن الجديد ظهر حسن.
وصل بعربة خشبية محملة بالدقيق
أنا حسن. زرعي كان يحتضر. ماؤك أنقذه.
حاولت تيريزا الاعتراض لكنه رفع يده.
ليس صدقة. دين.
لم يأت مرة واحدة. عاد وساعد في إصلاح السقف وفي تعميق المجرى وفي تعليمها طرقا أفضل للزراعة. أحبته آمنة من دون سبب واضح فقط لأنه كان يجلس ليستمع إليها. وكانت مريم تضحك حين تراه ضحكة خالية من الخوف.
حاولت تيريزا أن تبقي المسافة. في قلبها غرف مغلقة باسم يوسف لم تجرؤ على فتحها. لكن حسن لم يضغط. كان حاضرا فقط كمن يفهم أن بعض الجراح لا تشفى إلا بالوقت.
ثم جاء الخطر.
في السوق سمعت اسما همسا الإقطاعي سالم. رجل يشتري الأراضي التي فيها ماء. يعرض المال ومن يرفض يندم. لم تأخذ الأمر بجدية حتى جاء مندوبه أنيقا مبتسما.
عرض كريم.
قال وهو يمد الورقة.
الأرض ليست للبيع.
ابتسامته لم تختف.
فكري جيدا.
بعد أسبوع وصلها إشعار رسمي دعوى دين قديم على المالك السابق حق أولوية. ثلاثون يوما للإخلاء. جلست
لكنها لم تكن وحدها هذه المرة.
اجتمع أهل القرية. كتبوا عريضة. شهدوا. جاء الكاتب الذي باعها الأرض وأكد صحة الأوراق. وقف حسن بجانبها لا كمنقذ بل كشريك.
إن أخذوا أرضك سيأخذون ماءنا جميعا.
في المحكمة الصغيرة وقفت تيريزا أمام القاضي صوتها يرتجف لكنه لم ينكسر. تحدثت عن الترمل عن الحفر عن الماء الذي قسم.
لم أسرق شيئا. فقط عملت.
انحاز الحق. رفضت الدعوى. خرج الإقطاعي مهزوما لا لأنه خسر أرضا بل لأنه واجه ما لم يفهمه قرية موحدة.
بعدها سارت الحياة.
تزوجت تيريزا من حسن في بحفل بسيط بضحكات صادقة. لم يكن نسيانا للماضي بل امتدادا للحياة. كبرت آمنة قوية وكبرت مريم جريئة ورزقا بولد سموه يوسف.
ومع السنوات تحولت الأرض إلى بستان. العين ما زالت تتدفق. وحين جلست تيريزا عند الغروب تنظر إلى أحفادها يلعبون قرب الماء فهمت الحقيقة أخيرا
لم تكن المعجزة في الماء وحده
بل في امرأة قررت
حين قال لها العالم كله توقفي.