رواية أذناب الماضي أنا لها شمس الجزء الثاني الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم روز أمين

لمحة نيوز

عدم قدرته على نطق حرف إلا أنه جاهد وهمس 
والله مهجيب سيرته.. بس سبوني. 
استقل الرجال سيارتهما وظل هو ملقى على الأرض حتى اكتشفه بعض المارة وطلبوا له سيارة الإسعاف.

فجر اليوم التالي 
كانت تغط في سبات عميق. تمللت على صوت هاتف فؤاد الذي فتح عينيه بصعوبة ليتناول هاتفه بتملل.. رأى نقش اسم وجدي الجوهري فتعجب وعلم أن هناك خبرا سيئا بالتأكيد.. فمازال الوقت مبكرا.. أخذ هاتفه وخرج كي لا يزعج خليلة الروح.. أجاب بهدوء 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رد وجدي التحية فسأله الآخر سريعا 
خير يا وجدي.. فيه إيه 
أجاب بصوت مختنق باكي 
أمي في ذمة الله.. ياريت تبلغ إيثار لأني محبتش أقولها الخبر وهي نايمة
وتابع بشهقة خرجت عنوة عنه 
الدفنة هتكون الساعة سابعة الصبح إن شاء الله.. ياريت جنابك تجيبها حالا علشان تودعها وتقف على غسلها
لا حول ولاقوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. البقاء لله يا وجدي.. وأنا هبلغ إيثار وهنتحرك حالا 
أغلق معه وأطبق عينيه بقوة.. ثم أخذ نفسا عميقا استعدادا لإلقاء ذاك الخبر المشؤوم على زوجته.. تحرك للداخل وجدها تجلس على الفراش والزعر يملؤ ملامحها.. حركت رأسها يمينا ويسارا وسألته 
إوعى تنطقها يا فؤاد.. متقولهاش أرجوك
تصنم بوقفته لتتابع هي بحالة من الإنكار 
هي أكيد تعبانة شوية وهجيبها هنا لدكتور أحمد وهتبقى كويسة
تحرك إليها بحذر ثم جاورها الجلوس.. أمسك كفيها وتحدث متأثرا 
هوني على نفسك يا حبيبي.. وقومي إلبسي علشان تلحقي تودعيها
لاااااااا....قالتها بتأوه مكتوم مع إنكارها الشديد بتحريك رأسها لتتابع بعدما سال شلال دموعها المتألمة 
أمي بخير.. لسه بدري يا فؤاد.. أنا ملحقتش أعوض معاها سنين الحرمان اللي عيشتها انا وهي
وتابعت بدموع وانهيار 
أنا وعدتها إننا هنروح الحج السنة دي كمان مع بعض.. هي قالت لي إنها كانت مبسوطة قوي لما روحنا مع بعض من سنتين.. وأنا وعدتها إني هحجز لينا السنة دي كمان.. وفرحت قوي.. وقالت لي إنها مشتاقة لزيارة بيت الله
حاول بث الطمأنينه اليها عندما لاحظ هزيانها وتحدث 
الله يرحمها يا حبيبي.. وحدي الله يا إيثار ويلا قومي علشان تلبسي
اشتد بكائها ثم وبدون وعي أطلقت صرخة تعبيرا عن ألام قلبها المبرح.. فاق جميع من بالبيت على إثر الصرخة.. تحدث بألم ينخر بعمق قلبه لأجلها 
إهدي يا بابا.. علشان خاطري إهدي وحاولي تتماسكي.. حقك عليا.. والله حقك عليا
بعد قليل ساعدتها عصمت وعزة على
ارتداء ثوبا أسودا وتجهز الجميع للذهاب معها ومساندتها في تلك المصيبة التي حلت عليها.. وما من اعظمها مصيبة.. ذهبت بصحبة زوجها وعصمت وفريال وماجد وأيضا بيسان التي أصرت على مرافقة والدة زوجها للمؤازرة والوقوف معها.. يوسف حضر أيضا وترك زينة في منزل عمه خوفا على تأثر الفتاة إذا ذهبت إلى القرية ومسها أحدهم بالحديث عن سمعة والدتها السيئة.. ففضل بقاؤها بصحبة بنات عمه حيث ذهبت زوجة عمه بصحبة حسين لأداء الواجب 
توقف أسطولا من السيارات تابع لسيادة المستشار فؤاد علام الذي ترجل من السيارة ليتجه للجهة الأخرة لمساندة زوجته المنهارة.. تحركت بجواره بتشتت وعقل ناكر لكل ما يحدث.. تحت احتراق روح عمرو الواقف بجوار عزيز ووجدي وأيهم وجميع رجال القرية الذين حضروا لتشييع جثمان الفقيدة حسب العرف والتقاليد والأصول.. هرول الجميع إلى إيثار للمواساة مع أشقائها الثلاث.. ثم تحركت للداخل بمساندة عصمت وفريال وبيسان
قابلتها نوارة بدموعها وتحدثت 
البقية في حياتك يا إيثار.. الله يرحمها أخر إسم نطقته كان إسمك.. كان نفسها تشوفك بس ملحقتش يا نضري.. سبحان الله موتتها كانت سهلة وروحها طلعت بسلام
لم تستمع لحديثها بل كانت تتطلع على وجوه الجميع بذهن شارد لم يستوعب بعد حجم الكارثة.. تحدثت عصمت بوقار 
دخليها يا حبيبتي لمامتها خليها تودعها
نطقت زوجة عزيز بهدوء 
حاضر يا ست الدكتورة
وتابعت وهي تتجه بإيثار نحو الغرفة بينما وقفت عصمت.. فريال وبيسان تنتظرن بالخارج 
تعالي يختي معايا
ولچت بساقين مرتجفتين للداخل.. توقفت لدقيقة تحاول إدراك ما يحدث ثم تحركت إلى تلك الممدة فوق الفراش.. جلست بجوارها وبيد مرتعشة رفعت الغطاء لينكشف وجهها المنير.. سبحان من أبدع برسم ملامحها الحسناء.. فقد زادها الموت نورا تجلى بملامح وجهها وسنها الضاحك.. تبتسم وكأنها تستقبل الموت بترحاب ورضى.. مررت كفها على جبهتها مرورا بوجنتيها وباتت تتلمس جميع ملامحها.. مالت بشفتيها تتلمس بهما وجنتيها وبدأت بسحب أكبر قدر من رائحتها لتحبسها برئتيها علها تحتفظ بها الباقي من العمر.. نطقت بدموعها الأليمة 
ماما.. أنا جيت.. قومي يا حبيبتي علشان تقعدي معايا.. طب أنا جعانة.. قومي إعملي لي برام الرز المعمر من إيدك.. تعرفي إن نفسي فيه بقى شهر بحاله.. وكنت هجي لك الإسبوع ده علشان أكله من إيدك
شهقت لتنطق بحرقة ووجع 
يا ماما قومي حرام عليك ده أنا ما صدقت
شهقت وهي تتابع بقهر وقلب ينزف دم 
أنا لسه مشبعتش منك ولا لحقنا نعوض اللي فات.
. قومي متوجعيش قلبي.. كفاية عليا وجعي على أبويا اللي لحد الوقت لسه متنساش
وإلى هنا بدأت تدرك الوضع.. فصاحت بشهقات تقطع أنياط القلوب 
آاااااه يا وجع قلبي عليك يا منيرة
اقتربت منها المرأة المسؤلة عن تجهيز الموتى لمثواهم الأخير وتحدثت 
وحدي الله يا بنتي وقومي علشان نجهزها للدفن.. الوقت بيمر والرجالة مستنية
بعد مرور بعض الوقت تجهزت منيرة لمثواها الأخير تحت نزيف قلب إيثار وهي تساعد في تجهيز والدتها الأخير.. ذهب الرجال لدفنها وجلسن السيدات بالمنزل لاستقبال المعزيات.. حضرن جميع سيدات القرية وبالأخص أصحاب الطبقة الغنية.. فقد أتوا للتملق لزوجة سيادة المستشار الجليل وليس لإبنة قريتهم.. حضرت أيضا إجلال وزوجة شقيقها السيدة شريفة كما حضرت أزهار التي بدى على وجهها الإرهاق والإعياء الشديد.. جلست بيسان بجوار والدة زوجها وتحدثت 
كفاية عياط يا طنط.. كده ممكن تتعبي.. إدعي لها يا حبيبتي.. وإن شاء الله هي في مكان أحسن
تبعها صوت عصمت التي نطقت وهي تربت على كف الأخرى باحتواء 
هوني على نفسك واصبري على الإبتلاء يا إيثار.. قولي اللهم آجرني في مصيبتي.. وأخلف لي خيرا منها 
كررت كلمات عصمت بدموعها والشهقات 
اللهم آجرني في مصيبتي.. وأخلف لي خيرا منها
نطقت إجلال الجالسة بأريحية 
البقية في حياتك
وتابعت بكبرياء 
الله يرحمها.. كانت ولية غلبانة وشربت المر والفقر مع أبوك
لم تكن بحال يسمح لها بمجابهة تلك المرأة الجبروت والرد عليها بما يليق بوقاحتها.. بل كان صوتها بغيضا للدرجة التي جعلت إيثار تريد الصراخ وصم أذنيها.. بينما تحدثت عصمت بدفاع عن زوجة إبنها بالرغم من جهلها بشخصية إجلال 
كلنا فقراء إلى الله يا مدام
ابتسمت ساخرة لتنطق وهي تشملها من أعلى الرأس إلى أخمص قدميها 
إنت بقى حماتها الجديدة
تطلعت عصمت على تلك المرأة البغيضة واجابتها بهدوء 
أنا مامت جوزها.. وتقدري تقولي إني مامت إيثار التانية
أنعم وأكرم.. أنا بقى الست إجلال بنت الحاج ناصف.. وشهرتي في البلد ستهم...قالتها بتكبر لتتابع بكبرياء أكبر 
بس ده مش إسم شهرة وبس.. دي صفة طلعها عليا أبويا الحاج ناصف الله يرحمه.. ابويا طول عمره وهو شايفني ست الناس كلها.. والبلد كلها وافقته عليه بعد ما حسوا اني فعلا ستهم
لم تعر عصمت أي اهتمام لحديثها واكتفت بالتطلع عليها باستنكار بينما مالت شريفة بجزعها وتحدثت متهكمة إلى ازهار 
مش هنخلص من قصة أبو زيد الهلالي اللي عاشت عمرها كله تحكي وتزيد فيها
ربنا
على الفاجر والمفتري يا شريفة ...جملة نطقت بها أزهار بصوت واهن لتنطق شريفة وهي تتفحص وجهها 
مالك يا أزهار
نطقت المرأة بإرهاق شديد 
مش عارفة يا شريفة.. بقى لي مدة تعبانة قوي وصحتي كل يوم في النازل.. وروحت يختي لدكتور المركز.. قال لي ده إرهاق وتعب من السكر والضغط اللي عندي.. وكتب لي على علاج وباخده ومفيش فايدة 
________________
بالخارج عند الرجال.. في سرادق عزاء مهيب قام على تجهيزه أيهم إكراما لوالدته الحبيبة.. وقف يوسف بجوار أخواله يتلقى العزاء في جدته.. جاوره فؤاد مؤازرا له.. وأثناء همسهما قاطعهما صوتا بغيضا يحفظه كلاهما عن ظهر قلب 
تسمح يا باشا
تطلع كلاهما عليه ليشير بكفه مسترسلا بعداء 
عاوز أقف جنب إبني وأخد معاه عزا جدته
أشار على الرجال المصطفين بنظام وتابع قاصدا استفزاز فؤاد وخروجه عن شعوره 
زي ما انت شايف.. كل اللي واقف في الصف عيلة واحدة.. ولادها واحفادها.. وأنا واحد من عيالها حتى اسأل إيثار وهي تقول لك إن حماتي كانت بتحبني زي عيالها ويمكن أكتر
إحتدم داخل يوسف وكاد أن يرد فاجبره فؤاد على الصمت حين قال 
أنا هقف في آخر الصف يا حبيبي.. ومتقلقش أنا جنبك.. وقت ما تحتاجني هتلاقيني
قبل ان يجيبه الفتى هتف عمرو بحدة وغضب عارم أظهر نار قلبه 
يوسف مش محتاج لا ليك ولا لغيرك.. فلوس أبوه وعزه يكفوه العمر كله
لم يعر حديثه اهتمام فؤاد الذي تعامل معه بتجاهل تام اشعل نار عمرو الذي كان يتيقن من ثورة فؤاد ليقف امام الجميع ويتهمه بافتعال المشاكل والتعمد لافساد ليلة المرأة 
أشار فؤاد بعينيه إلى ذاك النبيه يوسف حيث فهم إشارة ابيه الروحي والتزم الصمت كي تمر الليلة بسلام
خرج فؤاد من الصف ليعود لمقاعد المعزيين فرأه عزيز فلحق به سريعا وتحدث 
رايح فين يا باشا
نطق برزانة 
هقف آخر الصف يا عزيز
تحدث بإصرار 
والله ما يحصل أبدا.. ده أنت تقف مكاني أول الصف
تحدث فؤاد بعقلانية 
مفيش داعي.. خلي الليلة تعدي على خير
أصر عزيز فقبل فؤاد تحت إصراره لكن رفض تخطي أبنائها فوقف بالترتيب الرابع بعد عزيز و وجدي و أيهم وتلاه أحفاد الثلاث رجال ثم يوسف وعمرو بأخر الصف مما أشعل نار حقده أكثر وأكثر على ذاك ال فؤاد الذي جاء وانتزع منه كل شيء كان ملكا له بالماضي
حضر وفدا من رجال الجهاز المخابراتي المصري تقديرا إلى الضابط يوسف البنهاوي مما جعل أعين الجميع تنظر إليه نظرة فخر وكأنه إبن القرية بأكملها.. تنفس فؤاد بسكينة وهو يرى شأن نجله يرتفع يوما بعد
الآخر.. من جانبه نظر الشاب إلى فؤاد وشمله بنظرات شاكرة ممتنة لكل ما وصل إليه ونسب الفضل إليه.
تم نسخ الرابط