رواية رعد وزينب جميع الفصول كاملة عذراء الرعد بقلم بسمة ج1
المحتويات
وبدأ يقلب في الملابس.. لكنه لم يجد شيئا مناسبا. رمى بعض القطع على الأرض وقال بتهديد
رعد.. ماشي.. أنا هتصرف.
خرج وعاد بعد وقت قصير حاملا شنطة سفر بها ملابس جديدةأطقم واسعة.. إسدالات.. وأحذية رياضية. كان يحمل كيسا به طقم اختاره لها.. فستان واسع بلون أزرق سماوي.. مع طرحة بيضاء وحذاء أبيض بسيط.
خرجت مرتدية الطقم.. لم تكن معتادة على لف الطرحة.. فتقدم منها وضبطها بهدوء.. واقترب منها وهمس
رعد بابتسامة خفيفة.. كده أحسن.. بس الطرحة محتاجة تتظبط شوية.
كتمت أنفاسها من قربه.. أغمضت عينيها حين شعرت بنفسه الدافئ يلامس وجهها.
حين ابتعد عنها.. أخذت نفسا عميقا.. فابتسم برضا وقال
رعد.. كده أحلى.. ولسه في حاجات تانية هتعجبك.
غمز وهو يتكلم.. ما جعلها تتوتر وتتساءل في سرها عن قصده.
أخذ يدها وصعد بها إلى أحد الشاليهات الكبيرة التي يملكها. كانت تنظر للمكان بانبهار.. لكن المفاجأة أنه اقترب منها من الخلف وفك الطرحة عن رأسها.
ارتبكت.. نبضات قلبها تسارعت بشدة وهي تسمعها بوضوح.
استدار بها نحوه.. وترك شعرها ينسدل على كتفيها...
يتبع...
دخلت زينب إلى غرفة النوم تتقدم بخطى مترددة. كانت تشعر بتوتر يملأ قلبها.. بينما رعد يسير خلفها بصمت.
اقترب منها قليلا.. ثم وقف بعيدا بمسافة تكفي لطمأنتها. نظر إلى وجهها المرتبك وقال بصوت خافت
رعد
اهدي.. أنا مش جاي أضغط عليكي. أنا هنا علشانك.. بس كده.
نظرت إليه في صمت.. لا تدري بماذا تشعر. داخلها صراع بين خوف قديم وثقة بدأت تتشكل ببطء.
كان رعد يراقبها.. يلاحظ كل تفصيلة في ملامحها المرتبكة.. فظهر عليه القلق. شعر أن بينه وبينها مسافة نفسية.. رغم أنهم أصبحوا زوجين.
رعد بهدوء
أنا عارف إنك مش مرتاحة.. بس حبيت تكوني هنا.. في مكانك.. وسط أمانك.
جلست على طرف السرير بصمت.. ودموعها بدأت تنزل دون مقاومة.
زينب بصوت خافت
مش قادرة أفهمك.. مش قادرة أفهم أنا فين دلوقتي من كل ده.
اقترب خطوة.. لكنه توقف عندما لاحظ انكماشها.. فبقي مكانه.
رعد بصوت مطمئن
ولا مستعجل حاجة.. بس حابب تشوفي بعينك إني مش زي اللي في بالك.
نظرت له بنظرة حادة.. وقالت بانفعال مكبوت
زينب
بس أنت مش فاهم.. مش سهل عليا أنسى. مش سهل أرجع أثق فيك أو في أي حد!
صمت للحظات.. ثم قال بنبرة فيها خليط من الألم والإصرار
رعد
أنا مش هاجي عليك.. ومش هأقرب غير لما تكوني مرتاحة. أنا بس.. تعبت وأنا بحاول أوصللك.
نظرت للأرض.. وانهارت دموعها من جديد.. ثم قالت بصوت مبحوح
زينب
هو.. كان أحن منك.
ارتبك.. نظر لها بذهول
رعد بصدمة
إزاي تقولي كده! بعد كل اللي عمله فيكي!
زينب بحدة
أيوه! على الأقل ما حاولش يفرض نفسه!
أغمض عينيه بقهر.. ثم مسح
رعد
أنا آسف.. يمكن استعجلت.
كنت فاكر إني قربت كفاية
بس الظاهر إني لسه بعيد جدا.
استدار نحو الباب.. وقال قبل أن يخرج
رعد بهدوء
ارتاحي.. أنا مش هكون عبء عليك. خدي وقتك.. بس ما تظلمينيش.
ثم خرج.. وأغلق الباب خلفه دون صوت.
وقفت زينب وسط الغرفة.. ودموعها تنزل كأنها تفريغ لصراع داخلي طويل. لم تفهم هل تندم على القسوة.. أم خائفة من الليونة.
يتبع
كان يقترب منها بانفعال.. حركاته متوترة ونبرته غريبة. حاولت إبعاده.. ورفعت صوتها بارتباك.. لكنه فجأة تراجع خطوة للخلف.. كأن شيئا أيقظه من داخله.
أسرعت بتغطية نفسها وهي تلتقط أنفاسها.. وشهقاتها تتعالى من الخوف والارتباك.
نظر إليها بحدة.. ثم غادر الغرفة دون أن ينطق بكلمة. شيء ما بداخله لم يكن مفهوما.. لماذا يصبح شخصا آخر حين يكون بقربها هو لم يكن هكذا يوما. كان دائما هادئا.. متزنا.. لا يجرح أحدا.
لكن مع هذه الفتاة.. يتغير.. يفقد السيطرة.. ويتصرف بطريقة لا تعجبه هو نفسه. مشى على الشاطئ طويلا.. يحاول تهدئة غضبه وصراعاته الداخلية. ثم عاد في وقت متأخر ليجدها نائمة.. وعيناها لا تزالان تحملان آثار البكاء.
جلس بجانبها بهدوء.. ومد يده ليمسح شعرها برفق.. كانت تبدو كالملاك.. ملامحها ساكنة.. وبريئة. اقترب منها واحتواها .. وهمس
رعد.. زي ما انتي.. أنا بس عايز أنام كده.
لم تتحرك. كانت خائفة.. لكنها لم ترد أن تصده. ظلت كما هي.. حتى غلبها النوم.
في الصباح
استيقظت لتجده يتحرك في الغرفة بنشاط. كان قد أخذ حمامه ويجفف شعره وهو يدندن بأغنية غير واضحة.
لما رآها مستيقظة.. اقترب وقال
رعد.. صباح الخير.
زينب بخجل.. صباح النور.
رعد.. يلا قومي خدي شور.. هنفطر بره ونتفسح شوية.
نظرت إليه بدهشة.. كيف يتغير بهذه السرعة أمس كان شخصا مختلفا تماما.
ابتسم وأكمل
رعد مداعبا.. لو فضلت تبصيلي كده.. مش هنخرج النهاردة.
ابتسمت بخجل وقامت بسرعة
زينب.. مش هتأخر.
أمسك بخدها وقال بمزاح
رعد.. شاطرة يا زيزي.
نظرت إليه متفاجئة من مزاجه المرح.. وهمست لنفسها وهي تمسك بملابسها
زينب.. رايق النهارده أوي
سمعها.. فقال ضاحكا
رعد.. لو عايزة مساعدة.. أنا جاهز.
أسرعت للدخول إلى الحمام.. وأغلقت الباب سريعا خلفها.
بعد قليل.. خرجت من الحمام.. وكان رعد بانتظارها.. اقترب منها وهمس
رعد.. ريحتك حلوة أوي.
احمر وجهها خجلا. لم تكن معتادة على هذا الأسلوب منه.. لكن رغم خجلها.. شعرت بشيء يلين بداخلها.
سألها
رعد.. تحبي أساعدك تسرحي شعرك
هزت رأسها بلا وجلست أمام المرآة.. تنشف شعرها. عينه كانت تتابعها بصمت.. نظراته كانت واضحة.. لكنه لا يعترف بها حتى لنفسه.
مر اليوم بطريقة لم تتخيلها زينب.. خرجا سويا.. ضحكا.. وتحدثا
لكن.. ما إن دخلوا.. حتى تغير كل شيء.
شعرت برهبة حين لاحظت اقترابه. تراجعت وقالت
زينب بقلق.. أنا تعبانة.. هطلع أنام.
صعدت مسرعة.. لكنه تبعها. وعندما دخل الغرفة.. كانت تقف أمام خزانة الملابس.. تهم بتبديل ملابسها.
فوجئت به خلفها.. يحاصرها بصمت.
زينب مرتبكة.. رعد.. إنت بتعمل إيه
رعد بهدوء.. شايفاني بعمل إيه.
حاولت التملص
زينب.. أنا.. كنت هبدل هدومي بس.
اقترب منها.. وهمس بصوت أجش
رعد.. أنا محتاجك.. بجد.
سكتت.. لم تعرف بماذا ترد.
رعد بصوت أخف.. مش هعمل حاجة تغضبك.. بس ابقي قريبة.
كانت متوترة.. لكنها لم تعد خائفة كما من قبل.
يتبع
وضعت يدها عليه بخوف.. كأنها تستنجد بالمسافة.
همست بصوت خافت متوتر
زينب
رعد...
كان يقترب منها أكثر مما يجب.. لكن صوته جاء منخفضا.. وكأنه يحاول احتواء مشاعرها المتضاربة.. وليس فرض شيء عليها.
لكنه سرعان ما لاحظ ارتجافها وتوتر نظراتها.
زينب بهمس خافت
أنا.. مش مرتاحة دلوقتي.
توقف.. ونظر في عينيها بتفحص.. ثم خفض بصره بهدوء.. كمن يفكر في ألف احتمال.
قال بنبرة أقرب للعتاب الرقيق
رعد
انتي بتبعدي.. ولا دي مشاعرك الحقيقية
زينب
مش بهرب.. والله. بس في حاجة جوايا مخلياني مش قادرة أكمل اللحظة دي.
تنهد.. وكأنه يحاول كبح ما بداخله من خيبة أو حزن.
أدار وجهه لثوان.. ثم قال بصوت محايد
رعد
أنا مصدقك.. خدي وقتك.
أخذ خطوة للوراء.. ليمنحها مسافة من الأمان.
ثم أضاف بلطف
رعد
لو عايزة تغيري هدومك.. ادخلي.. وأنا هستناكي. ما فيش داعي ننام وإحنا مخنوقين.
أومأت برأسها بصمت.. ثم قالت بخجل
زينب
حاضر.
بعد أيام...
قضيا وقتا صامتا على البحر.
الموج كان هادئا.. كأن حتى البحر يتفهم هذا الصمت الثقيل بينهما.
كانت زينب تنظر إلى الأفق كأنها تنتظر جوابا لا يأتي.. أما رعد فكان يحاول أن يقترب.. لا بجسده.. بل بكلماته.
رعد بصوت هادئ
ممكن أسألك سؤال
زينب
أكيد.
رعد بتردد
أنا حاسس إنك شايلة حاجة جواكي.. حاجة مش قادرة تحكيها.
زينب
إيه اللي حسيته
رعد
نظرتك.. ردودك.. ساعات بحس إنك هنا جسد بس.. لكن قلبك في مكان تاني.
نظرت إليه للحظة.. ثم أعادت بصرها للبحر.. وابتسمت بحزن
زينب
أنت بتفكر كتير.. يا رعد.
رعد
ويمكن لازم أفكر.. أنا عايز أفهمك.. مش بس أعيش معاكي.
سكتت قليلا.. ثم قالت بصوت منخفض
زينب
اللي حصل مش بسيط.. كان فيه يوم.. في المستشفى.. وأنا كنت ضعيفة جدا. في حاجة حصلت وقتها.. حاجة مش قادرة أنساها.. بس كمان مش قادرة أشرحها.
ظل صامتا.. ينتظر أن تكمل دون مقاطعة.
زينب بصوت مختنق
بابا
ودي أكتر حاجة وجعتني في حياتي.
بدأت دموعها تنزل بهدوء.. فمد رعد يده ليمسك بها.. لكنه تراجع.. ثم قال بلطف
رعد
أنا مش هضغط عليكي.. بس متخليش وجعك ياكلك لوحدك.
زينب بصوت مبحوح
أنا نفسي مش فاهمة اللي حصل
بس متأكدة من حاجة واحدة
أنا ما أذيتش حد.
أخفض رأسه.. ثم قال
رعد
أنا معاك.. بس لو يوما ما قدرت تحكيلي.. هسمعك للآخر.
زينب بهمس مرتجف
يعني مصدقني
لم يجب بسرعة.. كانت عيناه تائهتين.
حين تأخر رده.. نظرت له بمرارة.. ثم وقفت فجأة وقالت
زينب بانزعاج
أنا هطلع أرتاح شوية.
رعد
أطلع معاكي
زينب بهدوء
لا.. سيبني لوحدي.. لو سمحت.
تردد قليلا.. ثم قال
رعد
ماشي يا زينب.. خدي وقتك.
دخلت غرفتها.. والدموع لم تجف بعد.
كانت تشعر بغصة في الحلق.. لا بسبب كلماته.. بل بسبب الفراغ بداخلها.. الفراغ الذي لم تستطع أن تملأه منذ سنوات.
كيف له أن يصدقها.. وهي لا تصدق نفسها
كانت تتساءل وهي تتمدد على السرير.. تحاول الهروب من التفكير.. لكن عقلها لا يرحم.
أما رعد.. فخرج يتمشى على الشاطئ.
كان يسير ببطء.. وعقله مثقل.
هو لم ير منها إلا براءة.. لكن الماضي غامض.. ومفتاحه بيدها.. وهي لا تملكه حتى.
أخرج هاتفه من جيبه.. واتصل
رعد بصوت ناعم
مساء الخير.. إزيك وحشتيني جدا.
كانت لهجته مفعمة بالدفء.. لكنها لم تدم طويلا.
أنهى المكالمة سريعا.. وهو يبدو عليه الارتباك والضيق.. ثم عاد إلى الشاليه.
دخل ليجد زينب نائمة.. وجهها متعب وملامحها مرهقة من البكاء.
جلس على كرسي قريب منها.. يتأملها بصمت طويل.. كم هي هشة.. رغم قوتها الظاهرة.
رن هاتفه فجأة. أمسكه بسرعة.. ورد بنبرة مستعجلة
رعد
أيوه.. إيه! حاضر.. أنا جاي فورا.
أنهى المكالمة بسرعة.. وأسرع نحو زينب.
استفاقت على صوته القلق
زينب بتعب
في إيه
رعد بجدية
لازم نرجع فورا.. دلوقتي حالا.
زينب
ليه في حاجة حصلت
رعد
آه.. ولازم أرجع القصر. وانتي كمان هتيجي معايا.
زينب باندهاش
ليه ما كنت هتسيبني لوحدي هنا
رعد بتردد
ماينفعش. ومينفعش أرجع لوحدي.
زينب
ليه حد من أهلك يعرف إننا متجوزين
رعد بصوت منخفض
بصراحة.. لا.
زينب بانفعال
يعني أنت مستعر مني!
رعد ببرود ظاهر
لا.. بس أنا متجوز.
صمت رهيب ملأ المكان
نظرها اتسع بدهشة.. بينما الكلمات ارتطمت بجدار قلبها كصفعة.
لم ترد.. لم تستطع حتى أن تتنفس.
يتبع
دخلت زينب القصر وهي تسير خلف رعد بتوتر.. قلبها يخفق.. لا تعرف ما الذي ينتظرها.. ولا كيف ستكون معاملة زوجته.
كانت تنظر حولها بقلق.. عندما توقفت فجأة بعد أن اصطدمت بظهره. استدار ونظر إليها بنبرة صارمة
رعد
هزت رأسها إيجابا.
رعد.. ما تتدخليش في أي حاجة.. متتكلميش مع حد.. غيري أنا أو ماما.. أوضتك جنب أوضتها.. وتركزي بس في رعايتها. الشقة التانية
متابعة القراءة