رواية غوثهم الجزء الثاني(كاملة)بقلم شمس محمد
رواية غوثهم
يا صبر أيوب
إلهي رجعت
وإليك عودت ومن نفسي توبت..
أسعمني فأنا هنا في المنتصف عالقا..
ضعت مني وفي الذنوب وجدتني غارقا
لكن أحاول بكل مافي أن أخالف الهوى
أحاول بقلب ضعيف وقع وأهتوى
فاللهم إني أرجوك أن ترحمني من نفسي
وضعفي والهوى وكل ما سوى.
_غوث
اليوم أنا هنا معك
لكن دعيني أعود للماضي حيث المدينة البعيدة
تحديدا تلك المدينة التي كنت فيها غريبا
أقف بداخلها بين الحشود وحيدا..
ثم شاء القدر وأراد المولى أن تجمع الطرقات بيننا
والغاية في ذلك أن أجد في الغربة ونيسا
حينها كنت أنا وسط الجميع كنجم شارد في سماء معتمة ويبدو أن بقية النجوم ظهرت على هيئتك أنت..
ومن وسط الجميع رأيتك أنت ومنذ هذا الحين أصابني العمى عن الجميع ولم أعد أرى غيرك أنت..
فسبحان الخالق حينما أشاء جمع بيننا في لقاء
وكان اللقاء على هيئة حياة أعطيتيها لي أنت..
إذا وثق الجميع بك الأفضل أن تخون ثقتهم
رفع بيشوي أحد حاجبيه يسأل جابر بحديث وارى خلفه الكثير مشيرا بذلك إلى ما مر سابقا
_يعني عرفت إن الإنتظار متعب ساعة واحدة مخلياك مش على بعضك أومال أنا بقى أعمل إيه دا أنت طفحتني الكوتة وراك وأنا مستني المهم خير عاوز إيه يا حمايا.
زفر جابر بقوة بعدما فهم تلميحه المبطن ثم قرر أن يتحدث مباشرة وحينها هتف بنبرة هادئة بعض الشيء
_أنا مضطر أكلمك علشان محتاجلك ومش أنا بس دا فيه غيري كتير محتاجينك خلاصة القول تيام مش ابن صبري و نجلاء دا عيل كان هيموت على يد واحد ابن حرام كان ساكن هنا وللأسف كان صاحبي ساعتها أنا حليت الموقف وصبري كان صاحبي وعنده أزمة المهم بقى إن أهل تيام ظهروا عاوزك معايا علشان نقدر نعرفه اللي حصل وإن كل حياته هتتغير في يوم وليلة.
فتح بيشوي عينيه على وسعيهما مصدوما مما وصل إليه وبدا كأنه في أحد برامج الكاميرات الخفية وهذا المقلب الخفي من تنفيذ حماه أو ربما يكون إختبارا صعبا تم وضعه به ما هذه التفاهات ألم يكن لديهم اخبتارا أكثر صعوبة من هذا ظلت رأسه تعج بأفكار عدة هزلية أو ربما تقترب من المزاح بينما جابر لاحظ صمته والتهكم المرسوم على ملامحه وفهم أنه لم يتصور حجم الكارثة فهتف بتوتر
_بص !! أنا فاهم إنك ممكن مش مستوعب أو فاكره هزار بس الموضوع مش مستاهل سخرية كل الحكاية ومافيها إن سامي دا كان صاحبي بما إننا ولاد حارة واحدة وساعتها لاحظت إنه بيعمل حاجة غريبة ومعاه عيل كدا هو
تبدلت تعابير بيشوي إلى أخرى مذهولة فلم يعد مدركا ما حوله والضجيج بداخله يزداد لهيبا والتشوش يزداد سيطرة عليه إذا الأمر كماهو حقيقة وليست مجرد تراهات يلقونها حينها وفقط أدرك حجم الكارثة وحجم الخطورة التي تحاوط حياة رفيقه بينما الأخر زفر بقوة ثم هتف بنبرة ضائعة
_أنا ساعتها مقدرتش أتدخل لأن سامي حويط أوي عيل شمال الشمال كان ممكن علشان أنا عرفت يروح يقتل الواد ويقولي ميهمنيش ساعتها راقبته ولقيته بيدي الواد للست اللي بتاجر في العيال وهي راحت بيه مستوصف وهناك قابلت واحدة اسمها محاسن وقالت إنها عارفة الست دي علشان بتسلك عيال للناس وتاخد قرشين روحت ساعتها ل صبري وهو خد مراته وراحولها وهي أقنعت الولية وخدته منها.
أنقبض قلب بيشوي وسقط من محله وتقدم بجسده للأمام بحركة تلقائية فعلها جسده بعدما سارت القشعريرة في جسده لم يتوقع أن يكون الأمر واصلا لهذه الدرجة وحينها جاهد مع نفسه لكي ينطق وحينها هتف بنبرة ضائعة
_أنت أنت واخد بالك بتقول إيه قول إنك بتهزر وأنا هقبل هزارك أهون عندي من إن كلامك دا يكون حقيقة صدقني دا مش مجال هزار أو حوارات منك أنت.
بتر حديثه حينما زفر جابر وهتف بنبرة متعبة
_يابني مش بهزر وهي دي حاجة فيها هزار بقولك اللي حصل ساعتها ما كان ممكن أكبر دماغي بس أنا علشان عارف سامي قولت أهو صبري أولى من الغريب مراته كانت بتربي ابن اختها وترضعه وعاجزة إنها تستوعب الحقيقة إنها مش هتخلف تاني الواد دا كان فرصة لواحدة إنها تخرج من أزمة نفسية وفرصة إنه يعيش عيشة نضيفة هتساعدنا.
التمس الصدق في حديثه ونبرته رآها في عينيه أنه لم يكذب شعر بصدق الحديث ومنطقيته بالرغم من ظهور علامات الاستفهام الكثيرة حول الموضوع إلا أنه استشف الحقيقة الغائبة
لكن قد يكون المرء في بعض الآوئنة هو المعارض الوحيد لذاته وقد ينتج بداخله ظهور المضاد له وهذا تحديدا ما حدث مع بيشوي الذي بالرغم من صدقه للحديث إلا أنه وجد لسانه ينطق معبرا عن لسان حاله قائلا بتيه
_إزاي عاوزني أنا أروح أبوظ حياته وأخرب كل حاجة فوق دماغه ملقيتش غيري أنا دا أخويا أنت أكتر واحد عارف علاقتي بيه وجايلي أنا طب أقوله
ربي فقدت اليد كل الحيل ولم تعد
تملك في المناجاة إلا الدعاء..
ربي إني بليت بمرض الهوى
ولم في أجد إلا في مخالفته الشفاء..
ربي إني تغربت عن نفسي وسرت
في طريق كله بلاء وعودت وكلي رجاء
فعليل أنا ب حب الدنيا وحبها في
النفس داء والقرب منك هو الدواء..
_غوث
اليوم وأنا أتحدث معك
وأكتب ذلك الخطاب أعترتني رحلة الذهاب إلى شيء لم يكن هو بالمجهول وما يؤلمني أنه كان معلوما عدت حيث كنت في مفترق الطرق أسير تارة خلف التيه وتارة أخرى خلف الألم كل الطرقات رغم أنها تعرفني إلا أنها لم ترحمني وكأن الرحمة فقط في الحلم
وحتى لا أكون جاحد القلب ناقما على النعم..
كل ذلك ناسيته حينما رأيتك ومنذ هذا الحين علمت أنك من وسط قسوة القبيلة كنت الرحمة ومن بين ظلم الأهل كنت الإنصاف واليوم يكتب هذا الذي لا تعرفه سوى المدائن البعيدة والأرجاء الوحيدة
أن المظلوم تم إنصافه بوجودك
وأنتصر في حربه فقط بمجرد سماع صوتك.
من أنا ربما أكون غيري أنا أو أنا لست أنا
_يعني لو الحج نعيم طلع أبوك ممكن تفرح.
سؤال ألقاه بيشوي بترقب سكن كل جوارحه على رفيقه فيما ابتسم له تيام وقلب شفتيه للأسفل يفكر هنيهة عابرة ثم جاوبه بنبرة متأرجحة لم تملك الثبات على موقفها
_مش للدرجة دي يعني بس مش عارف أنا آه بحبه بيفكرني بأبويا بحسه حنين أوي وبالذات لما أتعاملت معاه بس كل واحد بياخد نصيبه وأنا نصيبي كان صبري الله يرحمه.
أغمض بيشوي عينيه يحاول التماسك أكثر لكنه فتحهما من جديد يهتف بنبرة مختنقة إثر الغصة المريرة بحلقه
_الحج نعيم هو أبوك يا تيام و محي أخوك الصغير أخوك شقيقك من الأب والأم وليك عيلة تانية غير دي وأصل تاني أنت ضعت عنه.
حسنا أفضل الحلول في الإيجاز هي الطرق على الحديد وهو ساخن لعل ذلك يلعب دورا هاما في المشاعر وهي تعتبر المحرك الأساسي وبالرغم من حجم المخاطرة إلا أنه كما قيل في سابق عصرنا شر لا بد منه وقد ابتسم تيام بغلب على أمره وحرك رأسه نفيا يعبر بذلك عن يأسه ثم هتف بنبرة ساخرة تهكمية
_دا واضح إن جابر عمل معاك الصح لدرجة خليتك تخرف يا بيشوي مين دا اللي أبويا أومال لو مش متربيين مع بعض بقى دا أنا كنت.
كاد أن يكمل حديثه بنفس الأسلوب الساخر لكن الأخر ردع هذه التكملة حينما هتف بصوت غلفه الإصرار والإتكاء على كلماته
_أبوك بجد يا تيام أنت ابنه اللي المفروض إنه ضاع وأتخطف منه وهو صغير وصدقني كل حاجة بتقول إنك أنت ابنه بجد أنا المفروض مقولش ليك بس كدا أحسن علشان تتقبل الوضع وتعرف كل حاجة نعيم الحصري أبوك.
ألقى الحديث دفعة واحدة وكأنه يخرج هما ثقيلا من فوق صدره ولم يعلم أنه بذلك يلقي بذلك الهم فوق رأس الأخر ولم يعلم أنه بذلك يتسبب في وجع روحه وقد ظهرت الحيرة على تيام تلقائيا حيرة اختلطت بنظرة ضياع فأضاف الأخر من جديد مكملا حديثه بألم
_أنا عمري ما كدبت عليك يا تيام وعمري ما قدرت أخبي عنك حاجة وأنت عارف كدا بس أنا مش قادر أكتر من كدا وخايف تتوجع مني بس أنا يدوبك عرفت النهاردة إنك ابن.
قبل أن يكمل حديثه تحرك تيام بسرعة كبرى مثل تحرك كتلة الهواء التي تضرب الفراغ مسببة على أثره ضجة كبيرة وكذلك كان تحركه حينما أوقف حديث رفيقه وترك المكان راحلا من المحيط بأكمله إلى الأسفل حيث شقة أمه هو يعلم صديقه تماما ويعلم أنه لم يكذب عليه وحتى إذا كذب يظهر الأمر في عينيه لكن
لكن الآن يبدو الأمر حقيقيا ولم يكن كاذبا يبدو صادقا وهو يخبره بذلك الخبر القاتل حينها وقف أمام باب الشقة وطرق الباب بعنف وقد جاوره بيشوي لاهثا بأنفاس متقطعة بينما الأخر صرخ بملء صوته لمن بداخل الشقة
_أفتحي !! أفتحي يا ماما.
في الداخل أيقنت ما حدث فاقتربت من الباب تخفي دموعها وفتحت الباب له وهي تحاول الثبات أمامه في هذه اللحظة بدت كأنها خائنة ولم تجرؤ على رفع عينيها في عينيه حتى وقف هو في وجهها مباشرة شبه ملاصق لها وهو يسألها بإندفاع أعرب عن ضياعه وصدمته
_إيه اللي بيشوي بيقوله دا !! أنا مش ابنك أنت ها !! أنا ابن نعيم إزاي يعني إيه اللي بيتقال دا إزاي أنا مش ابنك.. ما تردي عليا !!!.
رفع صوته صارخا في وجهها يتمنى أن تكذب الأخر وتنفي هذا القول وتثبت أنه ابنها هي تمناها أن تصرخ في وجه الجميع وترحمه من قسوة كلمات قاسية سلبت منه هويته تمنى أن تضحك هي ثم يضحك الأخر ويخبراه أنها مجرد مزحة ليس أكثر من ذلك تمنى وتمنى وتمنى لكنها جاوبته بعبرات نزلت من مقلتيها لتبخر كل آماله وتثبت كل ما قيل في حقه وأضافت بنبرة باكية
_أنت ممكن تشك أني مش أمك طب عمرك حسيت إنك مش مني أو غريب عني أنا أمك ودي حاجة مش هتتغير أنت ابني وراضع مني ومتربي في ي إزاي هتنكر إني أمك أنت ابني.
هتفتها بلوعة وحرقة قلب بات يتألم من فراق كتب على طريقهما