رواية غوثهم الجزء الثاني(كاملة)بقلم شمس محمد

لمحة نيوز

أقترب منها هو بعدما أثلجت روحه الملتهبة بهذه الكلمات ووقف أمامها يسألها بنبرة منكسرة وكأنه أضحى يتيما في هذه اللحظة وهو يسألها 
_طب أنا فعلا ابن نعيم يعني أنا مش ابنك أنت و صبري بيشوي مش بيكدب عليا وباين عليه إنه مش بيكدب أنا مش ابنك اللي أنت حملتي فيه صح
سؤال قاتم خرج من نبرة صوت حقا يثير الشفقة نحو صاحبه نبرة ضائعة مغلفة بلمحة إنسكار شق روحه وهو يقرر ما يستفسر عنه ليصله الجواب منها على هيئة عبرات أخذت تزداد في الظهور بعدما طفقت تعلن عن الحقيقة من خلال هذا الظهور وقد نكست هي رأسها هربا من التقاء الأعين ببعضها وحينها نزلت دموعه هو الأخر من هول الصدمة لم يظن أن الليلة تنقلب بهذه الطريقة لكنها حقا ليلة تخلد في الذهن برفقة ذكرى لم تمر مرور الكرام.
حينها وقف بيشوي خلفه ينتظر منه رد فعله القادم فوجده يجلس على الأريكة بجسد رخو وكأن رباط الشد فيه تفكك لتصبح كل أجزاءه مرتخية خارج إطار السيطرة وحينها أخذ يردد بذهول وهو يبكي دون التحكم في نفسه
_طب أنا مين وإزاي أنت وهو مش أهلي إزاي وأنا عمري كله مقضيه معاكم هنا طب أنت إزاي بتحبيني ولا دي كمان كدب منك طبطب جيت إزاي هنا خدتوني إزاي أنا مين أنا مين يا بيشوي أنا مين.
آخذ يرددها باكيا بضياع جعل بيشوي يغلق جفونه خافيا عبراته بهذه الحركة التلقائية فالوقت لم يكن وقت البكاء الوقت هو وقت القوة ولحظة الثبات حتى يقف في محازاة رفيقه لذا تحرك حتى أصبح بقربه وحينها جلس على ركبتيه مقابلا له وهو يقول بنبرة محشرجة نتيجة البكاء المكتوم
_أنت تيام صاحبي ودي حاجة مفروغ منها وكونك مش ابن الست نجلاء و صبري ومن صلبهم دي حاجة هتغير مكانك عند حد فينا اللي حصل كله تقريبا في صالحك أنت صدقني محدش هنا قلبه أتغير من ناحيتك ياض أنت أخويا دا الناس كلها بيتريقوا ويقولوا القط والفار أنت لسه متعرفش حاجة ولس.
بتر حديثه حينما صرخ تيام يقاطعه بقوله موجوعا وكأن ردود أفعاله تخرج عن سيطرته
_لسه إيه ها !! لسه إيه يا بيشوي أنا مين أنا كل حاجة كدب وتقولي لسه أهلي مش أهلي وأنا مش ابنهم ولا من دمهم حتى مجرد عيل لقوه وبيربوه طب مين جابني هنا وإزاي أنا ابنه ها طب طب أقول ل آيات إيه دا أنا لسه بقول الدنيا بتراضيني أهو آخد بعدها ضربة زي دي فوق دماغي.
أقنربت نجلاء بلهفة وهي تمسك كفه بين كفيها وتهتف باكية برجاء أن يكف عن هذه الحالة الموجعة لهم
قبله هو نفسه
_أنت ابني والله ابني من اليوم اللي شيلتك فيه وسكت في ي أنت ابني والحمدلله إني رضعتك وخدتك في ي ومليت علينا الدنيا بعدما كان مستحيل أشيل عيل تاني على أيدي جيت أنت نعمة من ربنا ليا نعمة رحمت قلبي من وجعه عمرك حسيت معايا إني مش أمك عمرك حسيت إن ي مش مكانك بلاش عمرك حسيت إن صبري مش أبوك إحنا كنا محتاجينك أكتر ما أنت محتاجنا. 
نبرتها وبكاؤها جعلا قلبه ينتفض لأجلها رق هذا الذي كاد أن يجحد فضلها عليه تحرك هذا الجامد الذي تصلد من هول الصدمة وحينها هو الذي نكس رأسه مستشفا فضلها عليه وهتف بنبرة منكسرة
_ماهو دا اللي واجعني إن كل الحب اللي شوفته هنا مش من حقي اللي واجعني إن كل المشاعر دي وكل اللي عيشته معاكم هنا عمره ما كان كدب أو ييجي في بالي إنه مش حقيقي عن إذنك.
ترك موضعه وترك رفيقه ثم دلف غرفته يخفي نفسه بداخلها بجسد رخو وكتفان تهدلا وكأن الهموم أثقلت الحمل عليهما عينان تحجر الدمع بهما فلا هو يظهر ويريحه ولا هو يختفي ويقويه حالة غريبة أعترته جعلته يشعر بالغربة وكأن كل الأماكن لم تكن له لم يعد يجد الألفة وكأن كل الأوطان أضحت في عينيه غربة وما إن وصل لغرفته وولجها أغلق الباب خلفه وأرتمى جالسا على الأرضية بوضع القرفصاء والحديث يتردد في أذنه بصدى ود أن يتوقف لو للحظات قبل أن يتم الفتك به.
أما نجلاء فبكت أمام الأخر الذي أعتدل واقفا وهو يقول بنبرة جاهد لإخراجها بهذه القوة خافيا خلفها ضعفه لأجل رفيقه
_متقلقيش هو هيقعد مع نفسه شوية وبعدها هيخرج وكله هيتصلح بس بعد إذنك سيبيه لوحده شوية من غير ما تحاولي تكوني معاه هو لسه عنده أسئلة كتيرة خافيها عن الكل فخليه لوحده شوية علشان نقدر نفهمه الوضع.
ألقى حديثه وعلم أنه ربما لم تسمعه من الأساس بسبب البكاء وبسبب حالة الحزن التي سيطرت عليها وقد لاحظ هو تبدل ملامحها وعبراتها وكيف تبدل تورد وجهها إلى الذبول وكأنها وردة توقف راعيها عن السقاية حتى ذبلت وذهب عنها رونقها وقد خرج بيشوي من المكان هاربا بنفسه قبل أن يضعف هو الأخر.
__________________________________
ألم تكن أنت الغوث نحن في أشد الحاجة إليك
_إحتمال كبير تيام جوز أختك يطلع ابن الحج نعيم اللي ضاع منه وابن أخوه لقاه هنا بعدما قطع مشوار طويل قطع أنفاسه فأنت هتقدر تساعد يا أيوب.
ألقىعبدالقادر هذا الحديث على ابنه الذي كان منصتا له بكامل حدسه وحواسه
وما إن استمع لهذا الحديث حينها تدلى فكاه بذهول وبرق بعينيه فوجد والده يزفر بقوة ثم هتف بنبرة متعبة أنهكها الحزن وبلغت الحيرة مبلغها فيها
_عارف إنك مصدوم بس دا اللي الحج نعيم قاله ليا النهادرة وبيني وبينك أنا مصدقه شوفهم كدا شبه بعض إزاي حتى لو مش بدرجة كبيرة بس باين إنهم شبه بعض تحسهم صورة واحدة كدا معرفش إيه حصل و بيشوي كلمني وقالي إنه عرف حاجات كتير بس أنا عاوزك تكون مع تيام وتخلي بالك منه أكيد صدمة كبيرة عليه.
حاول أيوب استعادة وعيه ونفسه وسرعان ما فعل ذلك وقرر أن يناقش والده ويتحدث معه لكن صوت هاتفه أوقفه مما جعله يتحرك بعدما استأذن والده فوجد بيشوي هو من يطلب رقمه وحينها فتح الهاتف يجاوب مسرعا ليجد الآخر متحدثا بنبرة أنذرته بما حدث 
_تيام عرف يا أيوب أنا مقدرتش أخبي عليه وعرفته اللي حصل شوفته وهو ضايع وتايه معرفش إزاي قولت وإزاي عملت كدا بس مقدرتش أكون بخبي عليه لو أعرف إني هشوفه كدا كنت قطعت لساني قبل ما يخونني وينطق بحاجة توجعه كدا أعمل إيه يا أيوب.
سأله بنبرة متعبة ومثقلة بالهموم كأنه يتلمس منه الدعم بينما أيوب تدراك الموقف سريعا فهتف بنبرة متعجلة أعربت عن لهفته وهو يقول
_أنسب حل إن الحج نعيم يعرف إن ابنه عرف اسمع مني لو خدت رقم منذر كلمه وعرفه علشان يحضر ويكون مع ابن عمه وإذا كان على التحاليل لما تطلع بكرة هيتأكد من كل حاجة بس دلوقتي تيام لازم يعرف ويكون مع أبوه لازم ميتسابش لنفسه ولأسئلته يا بيشوي.
راقبه عبدالقادر أثناء التحدث وعلم أنه أجاد اختيار الغوث كما ظن وأدرك أيضا أنه نجح في إخبار أيوب والقادم عليه أن يخبر ابنته وفي هذه اللحظة حمد ربه أنها زوجته ويحق لها أن تكون بجواره وعلم أن الخالق حينما يشاء ويرحم قبلها يمنع ويحرم ليكون العطاء مذهلا لقلب ظن أنه حرم وفي حقيقة الأمر هو رحم.
أما عن أيوب فأغلق الهاتف مع رفيقه ثم التفت يواجه والده وهو يقول بإصرار جلي نبع عن عزيمة قوية
_لازم أبوه يكون معاه كفاية حرقة قلبه العمر دا كله ومنذر لازم يكون معاه ويعرفه هو كمان كدا أحسن للكل على الأقل ميفضلش مع صدمته لوحده وأنا بستأذنك إني هكون معاهم الفترة دي ومش عاوزك تقلق عليا.
ابتسم له عبدالقادر وأومأ موافقا له فالتفت أيوب يسحب سترته الشتوية الرياضية ويرتديها فوق السترة القطنية لكنه توقف لوهلة وكأنه تلقى ضربة فوق رأسه جعلته يضيق جفونه بشك
ثم التفت مجددا لوالده وهو يسأله بتعجب
_بابا !! أنت هتعمل إيه مع تيام بخصوص آيات.
انتبه له عبدالقادر وخرج من شروده اللحظي ليستقر بعينيه على وجه ابنه الذي سأله بقلق من رد فعله
_أوعى يا بابا تكون هتوقف الموضوع ولا
رد حينها الأخر بنبرة جامدة نتجت عن نفاذ صبره بسبب الحديث بشأن هذا الموضوع قائلا
_يا جماعة هو أنا قليل الأصل الوحيدة اللي ليها حق تختار هي أختك يا أيوب أنا مش بجبر حد على حاجة وبعدين الواد مفيهوش حاجة علشان يترفض إذا كنت وافقت عليه وهو ابن صبري اللي محدش في مصر كلها يعرفه هرفضه دلوقتي روح ياض شوف حالك أنا دماغي مش فيا وأعمل حسابك إنك تعرف أختك.
ابتسم له أيوب ثم أقترب منه وهتف بنبرة هادئة
_ربنا يباركلنا فيك ويكرمك ويفرحك بأحفادك قريب.
ضحك عبدالقادر ثم قربه بأحد ذراعيه وقد ضحك الأخر معه حينما فهم والده مغزى دعوته لكن الأخر سأله بنبرة هادئة بعدما توقفت ضحكاته وقد فاجئه بمحوى سؤاله
_ألا قولي صحيح أنت و يوسف اتصالحتوا مع إن واضح كدا على وشك إنك اتصالحت وفرحت أوي واتراضيت بزيادة يا ابن العطار صح.
كتم أيوب ضحكته وهو يتذكر موقف زوجته حينما أها أمامهم وكيف صمت يوسف دون أن يتدخل بينهما وكأنه بذلك يسترضيه عما بدر منه في حقه وأثناء تذكره الموقف لاح أمامه طيفها بتلك العباءة السوداء بنقوشها الحمراء وكيف أضافت حرية خصلاتها مظهرا جديدا كأنها بلدة بدت أمامه بفرحتها تشبه فرحة كل النساء عند خروج رجالهن منتصرين من الحرب بدت وكأنها كمفتاح لبيت فلسطيني يمسكه صاحب الدار عند عودته ظافرا وهو يولج بيته بإذن المولى
غرق في التفكير وهو يجمع بين الفكرتين على صوت والده وهو يناديه مكررا النداء عدة مرات جعلته ينتبه له ثم هتف بنبرة هادئة يهرب من لحظة الشرود هذه بقوله
_عن إذنك هروح أتوضا علشان أصلي القيام قبل ما أخرج.
هتف جملته ثم رحل من الغرفة نحو الخارج وقد لحقه عبدالقادر وأثناء خروجه مر على غرفة آيات ورأى من خلف الأعتاب الضوء الخافت في غرفتها فعلم أنها مستيقظة لأداء صلاة القيام وحينها فضل أن يترك هذه المهمة لابنه وقد عدل عن التحدث هو بهذا الشأن.
بينما في داخل الغرفة فكعادتها كانت تصلي القيام وفي كل سجدة يتحرك لسانها تلقائيا وهو يدعو الله لكل من حولها دون أن تبخل عليهم وصاحب النصيب دوما قبلها هو خليل الروح وسكن القلب تيام كانت تدعو الله له أن يوفقه لطريقه ويرزقه
الهداية ويمن عليه بنور البصيرة ويجعله زوجا
تم نسخ الرابط