رواية نوسين جميع الفصول كاملة عمر ونوسين بقلم رحمة سيد
رواية نوسين
وقف أعلى حافة سور الكوبري ينظر للمياه الجارية أسفله هنا سيغرق روحه المعتمة لتتحرر ويتحرر هو من عذاب العيش منهيا معاناته..
لم يكن يتخيل أنه سيطرق يوما أبواب الإنتحار الإنتحار الذي كان يندهش ممن يفكرون به!
انتبه على صوت احد الماره والذي كان رجل كبير بالعمر نوعا ما باغته بنبرة مدهوشة
أنت بتعمل إيه يابني!
وحين لم يكلف عمر نفسه عناء الرد كان يتابع
عايز تموت كافر ماهو الموت كدا كدا جايلك.
ثم استدار وغادر بهدوء كما أتى مسببا صدمة بزغت في عيني عمر الذي ابتسم بسخرية فهو لم يتعب نفسه في محاولة إثناءه عن فعلته!
ولكنه فعليا فقد القدرة على انتظار الموت روحه تأن وجعا مع كل ثانية تمر محملة بعبق الموت الذي سلب منه بريق الحياة وتركه شبح شريد يبغى الخلاص!
وقبل أن يقفز كان هاتفه يصدح برنين يالسخرية القدر.. فحتى الانتحار لا يستطع إكماله..
أخرج هاتفه بنوع من أنواع الفضول وقد كان احد الاصدقاء غير المقربين فأجاب
عامل إيه يا عمر
كويس.
إندفع معلنا غيته وراء الإتصال
عايزك في شغل في واحد من اللي بيلعبوا مصارعة حرة مش لاقيين له حد ينزل قصاده إيه رأيك تجرب تنزل قصاده وهيجيلك من ورا الموضوع دا خير كتير أوي.
تسرب حديثه لأذنيه ببطء مخلوط بفحيح شيطاني ينبئ روحه الملكومة أن ما تبغاه قد أتاها.. هو لا يبغى سوى الموت وقد أتاه بطريقة غير مباشرة بحيث لا يكن إيمانه عائق له..
فالمصارعة التي يتحدث عنها تلعب دون قوانين يدخلها المعدمين ومن يحتاجون للأموال حد القرب من الموت ويراهن على فوز احدهم في المباريات رجال اعمال بمبالغ طائلة.. ولا تنتهي إلا بموت احد الطرفين!
موافق فين وامتى
خرج سؤاله بجفاء فأجابه الاخر بلهفة
بكره بليل وأنا هاجي أخدك.
ماشي.
بنظرة تشبعت سخرية كان يرمق اثر الرجل الذي غادر
اهو الموت جه يا حاج.
اليوم التالي
خرجت نوسين من ورشة الميكانيكة التي تعمل بها ووصلت المكان الذي تنشده بدأت تتحرك بخطى بطيئة تحرك رأسها يمينا ويسارا في محاولة لاكتشاف المكان من حولها ثم رفعت يدها تمسح حبيبات العرق التي تناثرت بفعل التوتر على بشرتها البيضاء التي تميل للون القمحي وأنفاسها تخرج وتدخل صدرها بصوت مسموع..
إلى أن وقعت عيناها على عمر الذي كان يرقد أرضا بلا حراك وجهه مغطى بالدماء شهقت والفزع يجتاح خلاياها وركضت نحوه ومدت يدها تحاول معرفة إذا كان حي او ميت ولكن وجدته حي فالتقطت أنفاسها
وبدأت تعض على أصابعها وهي تفكر ترى من فعل به هذا ولما
الاسئلة تشتد محاصرتها لبقاع عقلها المزلزل في تلك اللحظات واصوات ضجيج تأتيها ولكنها لا تعلم حتى ماهية هذا المكان..
أمسكت زجاجة المياه التي كانت بجواره وبدأت تزيل الدماء عن وجهه بحذر فأوقفها أصوات أحستها تقترب تساءلت بقلق هل يأتون الان لينهوا أمره تماما
عاطفتها المندفعة اتخذت القرار نيابة عن عقلها الذي تعطل قليلا فبدأت تحاول رفع عمر بصعوبة وربما ساعدها قليلا الصالة الرياضية التي كانت تذهب لها وجسدها الممتلئ نوعا ما..
بدأت تضرب وجنتاه برفق هامسة بتوتر
أنت يا آآ أنت سامعني
تفرق جفناه ببطء وصوتها يأتيه بعيدا وصورتها مشوشة لا يستطع التمييز علت أنفاسه بصوت مسموع وكأنه يصارع..
فأردفت هامسة برجاء
أنت لازم تقوم معايا زمانهم جايين ويا عالم المرادي هيسيبوك فيك نفس ولا لا.
وعادت تحاول جعله ينهض وبدأ يستجيب لها هو ببطء وألم ربما بسبب المسكنات القوية التي يجبرون المشاركين على أخذها حتى لا ينهاروا سريعا وتطول المتعة!
سحبته برفق حتى وجدت صندوق كبير للقمامة وأعلاه عامود نور مكسور ومنطفئ وكم كانت ممتنة لمن كسره!
جلست خلف الصندوق تلتقط أنفاسها اللاهثة وتفاجأت به يضع رأسه على قدميها مغمضا عيناه في حالة من اللاوعي.. إنحسرت أنفاسها وشعور غريب يراودها مداعبا دقاتها التي تبعثرت..
ابتلعت ريقها وهي تفكر ما الذي ستفعله هل ستأخذه معها
عندها فتح عينيه ببطء وكأنه سمع ما يجول بخاطرها قابضا على أصابعها الرفيعة بكف يده الخشن مرسلا شرارة حسية مجهولة المصدر لجسدها..
وعيناه الزرقاء الناعسة حين تسلطت بغتة على عينيها شعرت بقلبها يتضخم وتفقد قدرتها على كبح ذلك الشعور الغريب بالانجذاب له كما لم تفعل يوما لأي رجل!
لم تملك الكثير من الوقت لتتخذ قرارها فقد سمعت صوت اقدام يقترب منهما مدت رأسها قليلا لترى القادم فرأت عدة رجال بأجساد ضخمة ويمتلكون أسلحة وقد كانت هيئتهم قادرة على بث الهلع بقلبها وهي تتخبط لا تدري كيف سينجون منهم!
أخرجت هاتفها واتصلت بأحد اصدقائها وعشرة عمرها لينجدها
حوده تعالى بسرعة على الشارع اللي فيه
فهي لن تترك عمر وحده وفي نفس الوقت لا تضمن أن تذهب به لمنزلها بمفردها..
ثم بدأت تحاول التحرك سحب عمر الذي كان بين الوعي واللاوعي نحو أبعد نقطة عنهم وهي تناجي الله ألا ينتبهوا لهما.
وصلوا ثلاثتهم لمنزلها الصغير بصعوبة وقد كان في منطقة عشوائية متهالك معظمها حمدت الله أن الظلام سيطر على الاجواء والشارع ليس به أناس حتى لا تصبح علكة في افواه الجميع..
بمساعدة حوده وضعت عمر الذي لم يكن قد استعاد وعيه كاملا بعد على الفراش الصغير..
وجلبت قطعة من القماش لتمسح بها وجهه الذي لازال ملطخا تلكأت يدها على وجهه وكأنها تتحالف مع تلك الرغبة الخفية داخلها لتفحص ملامح وجهه الرجولية السمراء بخشونة مميزة لأول مرة تخونها عيناها مدققة النظر لملامح رجل رغم تعاملها الشبه يومي مع الرجال بطبيعة عملها!
فتح عيناه الزرقاء للحظة ثم أغلقها مرة اخرى لتهمس نوسين في تيه تعجبته في نفسها
يخربيتك هو أنا ناقصة حلاوة!
ثم تنحنحت وكأنها استوعبت زلة لسانها وبحركة مباغتة مد عمر يده ببطء ولمس وجنتها وهو يغمغم بصوت مكتوم بإسم غير واضح أغمضت عيناها وهي تستشعر دقاتها تنتفض كما انتفض جسدها وهي تنهض من جواره مرددة بذهول
يالهوي دا بيتحرش بيا وهو مغمى عليه امال لو صاحي!
خرجت من الغرفة فنهض حوده يرمقها بنظرات ذات مغزى ثم خرج سؤاله المكتوم
مين دا
اجابته بثبات
ماعرفش.
ردد باستنكار جلي
يعني إيه ماتعرفيش دا أنا قولت إنه ابن خالتك اللي راجع من الحج ولا حاجة!
راحت تخبره بهدوء
دا واحد معرفهوش لاقيته زي ما أنت شوفت.
فرفع حاجبيه معا وتابع بغير تصديق
وهو أي واحد تلاقيه تجبيه بيتك بسهولة كدا
حينها اعترضت بحرقة لم يتعجبها الاخر
امال كنت عايزني أسيبه مرمي في الشارع وسايح في دمه ويتكرر نفس اللي حصل فيا
فأحس أنها تقدم له المساعدة كما لم يقدم لها حين كانت مكانه وهنا كذب مقولة فاقد الشيء لا يعطيه لأن فاقد الشيء هو من استشعر مرارة فقدانه فيعطيه ببزخ..!
ثم أخبرها أنه سيذهب ويشتري بعض الأطعمة لهم مطمئنا إياها أنه لن يبتعد كثيرا عن البيت..
بعد قليل..
بدأ عمر يفتح عيناه ببطء بعد فترة فاقتربت منه متلهفة تسأله بنبرة متوجسة بعض الشيء
حاسس بإيه حاسس بألم في عضمك
بعد ثوان من الصمت جاءت اجابته مقتضبة
مش حاسس بحاجة.
تابعت اسئلتها التي كانت تحتجزها في عقلها لحين استيقاظه
طب أنت مين ومين دول وعملوا فيك كدا ليه
ضيق عيناه وكأنه يحاول أن يتذكر والاحداث السابقة تتوالى على عقله الذي لازال يترنح من غفوته وفجأة استقام جالسا متسع الحدقتين لتتوهج زرقة عيناه أكثر بلمعة مميزة ناغشت قلب الجالسة جواره فتمتمت نوسين بصوت منخفض بتلقائية
ما خلاص ياعم عرفنا إن عنيك حلوه.
سألها بقليل من الارتياب
انتي مين وأنا فين
قالت بسخرية عفوية لطالما انتهجتها في حديثها
خدامتك سعدية يا باشا.
عقد ما بين حاجبيه والضيق يبزغ في زرقاوتاه الناعستين فسألته نوسين من جديد
أنت اللي مين أنت في بيتي لاقيتك مغم عليك ووشك بينزف وجبتك هنا.
إتسعت عيناه من جديد والدهشة تستبيحهما متعجب من جرأتها وهدوئها كيف لا تخشاه وهي لا تعلم عن أي شيء!!
ثم الكارثة التي حلت عليهما والتي لا تعلم توابعها !
أغمض عيناه وهو يتنهد بصوت مسموع قائلا
أنتي متعرفيش أنتي ورطتي نفسك في إيه.
ردت مستنكرة
ورطت نفسي في إيه أنا ساعدتك مش أكتر.
زمجر فيها بعصبية
ماطلبتش منك تساعديني أنا عايز أموت وأروحلها.
حلقت الشراسة المتأصلة فيها في عينيها التي تحمل لون البندق وهي تستطرد مغتاظة
هي مين دي! بقولك إيه يا ولا أنت ماتزعقليش تصدق أنا غلطانة خيرا تعمل شرا تلقى قوم يلا ارجعك للي عمل وشك خريطة.
هز رأسه نافيا بجدية وصوت خافت وكأنه يفكر بينما يخبرها
مابقاش ينفع أنتي بوظتي شغلهم ولو وصلولك هيأذوكي أنتي مش قدهم.
لوت شفتاها ولم تسيطر على عفويتها من جديد
شغلهم إيه لامؤاخذه أنت شغال كيس ملاكمة ولا إيه
استغفر بصوت مسموع ثم نهض مرددا بحزم
احنا لازم نمشي من هنا مش هياخدوا وقت كبير وهيوصلولنا.
هزت كتفاه بهدوء ولامبالاة
امشي أنت لكن دا بيتي أمشي أنا أروح فين أنت مجنون
حذرها بجدية لم تهز قرارها الثابت
لو مامشيتيش معايا دلوقتي صدقيني هتندمي.
فأردفت بسخرية عرف أنها تلازم لسانها الطويل وجعلته يود لكمها بسببها
ليه كنت
هدر فيها بصوت أجش
بطلي تهريج أنا بتكلم بجد دي مسألة حياة او موت.
هزت رأسها وكأنها تهاود طفل في الخامسة من عمره
امممم طب روح بيتك نام أنت دلوقتي وبكره هنشوف المسألة دي أنا وأنت وناهد وكلنا.
في ذلك الحين وفي نفس المكان الذي أخذت منه عمر..
كانت الاجواء مشتعلة فقد كان احد الرجال ذو ملابس منمقة نوعا ما وملامح تبدو لك رخيمة من النظرة الاولى ولكن في قاعها تحمل قدرا ملحوظا من الدناءة!
يهب على رجاله كالاعصار متسائلا بحدة
يعني إيه واحد مضروب واغمى عليه يقوم يمشي لوحده!
هز احدهم رأسه نافيا بسرعة
لا طبعا يا باشا أكيد مش لوحده.
أكد الاخر ساخرا بحروف لم يغادرها الغضب
ما طبعا مش لوحده يا غبي ماهو مش خارق!
برر محاولا تلاشي غضبه الذي يمقتونه
أحنا بدأنا نشوف الكاميرات يا باشا وخلال وقت بسيط هنعرف مين اللي عمل كدا.
ولكنه لم ينجح حين زمجر الاخر بجنون وكأنه يخرج فيهم ما تضج به نفسه
أنا لسه هستنى وقت بسيط أنا عايز أعرف حالا اللي عمل كدا بوظلي شغل بالملايين غير سمعتي اللي إتدمرت قدام الكبار.
ردد مسرعا بخنوع
ما عاش ولا كان.
فهدر بوجهه آمرا
غور هاتلي المشاهد اللي في الكاميرات.
بعد قليل..
المشاهد اهي يا باشا.
وبعد أن شاهدها عقد ما بين حاجبيه بدهشة حقيقية من تواجد فتاة لأول مرة ثم سأل
مين البت دي
أجابه الاخر بنبرة باهتة
مانعرفش يا باشا بس أكيد هنعرف.
فتواصلت اسئلته بغضب أهوج
وازاي خدته من غير ما تحسوا
تشدق بنزق
احنا كنا سايبينه يفوق زي ما حضرتك أمرت عشان يرجع يكمل الماتش لكن هي آآ.
دفعه بعنف من أمامه مزمجرا فيه بفظاظة
عشان مشغل معايا بهايم غوروا وماترجعوش غير والبت دي وعمر معاكوا.
ولم يكن يملك سوى أن يهز رأسه بطاعة مؤكدا
اوامرك يا باشا.
جز عمر على سنانه بغيظ حقيقي وقبل أن ينطق على رنين هاتفها فتنهدت وهي تجيب ليأتيها صوت حوده على الطرف الاخر
بقولك إيه يا نونا.
إيه في حاجة ولا إيه
أنا وعند الكشك دلوقتي في ناس جم وسألوا عليكي.
ناس مين
مش عارف بس خدي بالك شكلهم مش تمام أنا قولت أنبهك.
تمام يا حوده تسلم ماتجيش أنت دلوقتي خليك مراقب من برا لحد ما نشوف حوارهم إيه.
تمام.
أغلقت الهاتف ثم نظرت نحو عمر الذي لم يكن من الصعب عليه تخمين عمن تتحدث فتحركت نحو الشرفة الصغيرة تنظر منها لتجد عدد لا بأس به من الرجال هيئتهم سببت رجفة خوف واضحة لجسدها وبينهما وبين منزلها الصغير مسافة ليست كبيرة!
عادت للخلف خطوتان متلعثمتان لتصطدم بعمر الذي كان خلفها مباشرة ولم تنتبه له فشهقت بفزع وكادت تصيح بصوت عال
يالهوي دول
قاطعها عمر واضعا كفه عليها ليكتم صوتها.
وبدأت تدرك أنه على حق وأنها ورطت نفسها بكارثة ليس لها مخرج!
رواية نوسين الفصل الثاني
حتى الان لم تصدق كيف نجووا منهم بإعجوبة من الباب الخلفي بالمطبخ والذي تجد له فائدة لأول مرة!
كانا قد ابتعدا مسافة بعيدة عن المنزل فوقفت نوسين تضع يدها على صدرها مهدئة ضربات قلبها التي كانت تنافس الثواني في سرعتها وصارت كمضخة تضخ الخوف بكافة خلايا جسدها..
ثم هتفت قاطعة الصمت بحدة توقعها عمر قبل أن تنطق
أنت لازم تفهمني كل حاجة حالا أنت مين ومين الناس دي وأنا اتورطت في إيه
اومأ عمر برأسه وراح يحاول تسكين غضبها
اهدي واقعدي هفهمك كل حاجة.
صاحت فيه بذهول ولازالت لم تستوعب ما حدث للتو
اهدى إيييه أنا حاسه إني لسه خارجة من فيلم أكشن!
نضحت حروفه بالمرارة وهو يخبرها
مش كل حاجة ما حصلتلناش تبقى خيال أحيانا بتبقى رحمة ربنا بينا.
أضافت بشيء من المرح مخلوط بتهكم
طب ياريت لو خلصت فقرة الحكم دي ترسيني على الحوار عشان قلبي موغوشني!
تنهد ثم بدأ يقص عليها ما حدث بدءا من مشاركته بتلك المصارعة حتى اللحظة التي وجدته فيها ولكن لم يقص عليها الجانب الاخر من القصة او اليد الخفية التي بزغت من داخله ودفعته نحو تلك الهوة!
إتسعت حدقتاها في إقرار بصدمة حقيقية ثم سألته بجدية مفكرة بما جال بخاطرها
بس المصارعة ما كلنا بنشوفها مبتبقاش كدا
دي حاجة مختلفة شبه المصارعة الرومانية او الدموية وعموما من غير تفاصيل كتير مش هتفهميها بس هي حاجة ممنوعة في القانون.
طب أنت ازاي فكرت كدا بجد ازاي! ماخوفتش على روحك لما روحت وشوفت اللي بيحصل هناك!
لوى شفتاه معلقا في استهزاء وصوت خاو مثله
روحي! أنا دلوقتي مجرد جسم بيتحرك من غير روح.
وجدها تنظر حولها مشيرة بيديها في حركة درامية بحتة
اعوذ بالله ابعدوا ابعدوا لا تأذونا ولا نأذيكم.
فردد مستنكرا
في إيه!
استطردت في حروف سيطر عليها الغيظ وقوامها الأساسي السخرية كما اعتاد منها منذ رآها
في إيه أنت إيه اللي جسم من غير روح وجو العفاريت دا استهدى بالله كدا واعقل كلامك أنا جتتي بتتلبش من سيرتهم.
صاح فيها غير مصدقا
عفاريت إيه يا مجنونة قصدي يعني من اللي حصل بقيت كأني ميت.
بملامح ملتوية ساخرة واصلت
طب ما تقول عيشتي منيلة بستين نيلة وشوفت سواد لازم الشاعر اللي جواك يصحى دلوقتي ويقولنا تشبيهات!
لا لا أنتي في برج طاير من دماغك.
أشارت لنفسها وأكملت في نزق
أنا برضو دا أنا أعقل مني مفيش دا أنا خايفة عليك أحسن الخبث والخبائث مابيهزروش.
تصنعت ملامحه الدهشة وهو يردد
يا شيخة
فأكدت بنبرتها الدرامية المرحة التي تثير الضحك
ايوه امال أنت فاكر إيه ومابيحبوش الناس اللي ترمي بلاها عليهم يعني هما قاعدين في حالهم دلوقتي تقوم تتهمهم إنهم اعوذ بالله يعني مسيطرين على جسمك ولما يسيطروا على جسمك بجد بقا نعمل إيه نفضل نلف بيك على الشيوخ والدجالين ويطفوا سجاير تحت باطك عشان يحرقوا الجن
قال مصدوما وشفتاه تتماثل للضحك دونا عن العبوس رغما عنه
يطفوا سجاير تحت باطي!!
أكدت بثقة مثيرة للدهشة
ايوه أنت مابتتفرجش على تلفزيون ولا إيه!
فهز رأسه نافيا وقسمات وجهه تزيف عليها الأسف
لا الحقيقة مكنش عندي وقت ياريت تفيديني بخبرتك الكبيرة مع الخبث والخبائث.
تابعت
ويفضلوا يضربوا فيك بالعصايه لحد ما يكسروا عضمك ومفكر الجن هيسيبك برضو مش هيسيبك و
قاطعها بنفاذ صبر
بس بس إيه راديو!
رفعت حاجبيها معا في استهجان
أنت ملبوس بجد ولا إيه مش أنت اللي لسه قايلي قولي وفيديني!
كانت السخرية من نصيبه هذه المرة حين استطرد
لا وأنتي مطيعة اوي.
اوي اوي دا حتى أمي كانت بتقولي إني أكتر واحدة آآ.
قاطعها بشيء من الفظاظة
الله يرحمها الحاجة ارتاحت وسابتلنا بلوه.
سألته ذاهلة وكأن لسانها لم يجتمع يوما مع السخرية في سبيل واحد
أنت بتسخر من احزاني
ضرب كفا على كف وهو يردد بضحكة إنفكت كليا عن المرح
شوف البراءة! دا أنتي من ساعة ما شوفتي خلقتي وأنتي مابتعمليش حاجة غير إنك تسخري من احزاني.
تلفظت وهي ترسم مفاجأة وهمية ممزوجة بالمرح
أنا يابني!
استكانت ملامح عمر للحظات ورأت في انعكاس عينيه تشوش أفكاره قبل أن يعلن عن احدهم متسائلا بشرود
أنتي ازاي كدا
هزت رأسها دون فهم
كدا إيه بالظبط
راح يوضح لها في حيرة حقيقية من أمرها
ازاي قادرة تهزري وتتريقي وسط اللي حصل دا أنتي مش خايفة
هزت كتفاها معا بلامبالاة
هخاف من إيه أحنا هربنا منهم خلاص مش هيوصلولنا وهيمشوا من مكان ما جم.
ثم خفتت نبرتها لتميل لنغمة مظلمة تسرب منها الوجع النفسي المبطن
وبعدين دا طبعي مابعرفش أعبر عن فرح او خوف او زعل إلا بالسخرية والهزار.
صمتت برهه ومن ثم تابعت بالتواءة شبح ضحكة تهكمية مريرة
وماعنديش حد يبكي على الأطلال ورايا لو حصلي حاجة اصلا.
لم ينبس ببنت شفه فقط عيناه الناعسة كانت ثابتة بتركيز على لون البندق في عينيها والذي بدا له محترقا في تلك اللحظات يحاول سبر أغوارها..
فأثار الارتباك في نفسها وهي تتساءل بغيظ داخلي كيف لعيناه أن تكون لها هذا التأثير عليها فهذه ليست المرة الاولى التي ترى فيها رجل بعيون ملونة! تبا له ولعينيه.
تنحنحت وهي تحك جبهتها وتسأله مغيرة مجرى حديثها
المهم خلينا في المهم زمانهم مشيوا ارجع بيتي بقا صح
انتشلته المفاجأة من قاع أفكاره صادمة إياه بأرض الواقع بعنف فصاح فيها
ترجعي فين هو أنا كنت واخدك دريم بارك كل الأكشن اللي حصل دا مأثرش فيكي!
أجابته صريحة
لا أثر بس مش اوي يعني.
وقبل أن ينفجر بوجهها تشدقت مسرعة
وبعدين زمانهم مشيوا أكيد مش هيسيبوا كل اللي وراهم ويفضلوا يدوروا علينا.
الله أعلم دول ناس مش سهلة ومينفعش الواحد يخاطر بنفسه معاهم.
طب والحل
هز كتفاه معا بقلة حيلة
مش عارف.
سألته بحروف ساخطة وكأنها المبتلى وليست البلاء
امال نجيب مين يعرف
قال والتبرم يتشبع حروفه
جيبي اللي خرجني من هناك وخلاني إنسحبت من الماتش ودا ممنوع وعرض نفسه وعرضني للخطر.
زفرت بصوت مسموع ولم تنطق هذه المرة فأضاف هو بشرود حائر
لكن عارفة المضحك إيه إن اللي كنت بجري له من كام ساعة بس هو اللي بجري منه دلوقتي.
هو إيه دا
الموت كنت عايزه وبجري له بكل الطرق لكن دلوقتي ماقدرش أسيبك لهم وذنبك يبقى في رقبتي.
هزت نوسين رأسها بنفاذ صبر اليائس سيظل يائس مهما مرغت أنفه في وحل من
ثم أردفت بنبرة ذات مغزى وهي تحرك يدها في محاولة لتهوية وجهها
أنا هتمشى خطوتين هنا أشم شوية هوا عشان كلامك طبق على نفسي جابلي ضيق تنفس.
لم يعلق بشيء وشرد يحاول تنظيم كم الأفكار المهتاجة التي جعلت من رأسه ساحة لتتطاحن فيها وكذلك هي.. رفعت هاتفها لتتصل بأحدهم كأول خطوة أوحى لها عقلها أن تسير نحوها.
بعد فترة صغيرة..
عادت له بملامح منتفخة منتشية بنصر لم يستطع عمر تخميين ماهيته ثم سألته مباشرة
لاقيت حل
هز رأسه نافيا بهدوء
لا للأسف.
تابعت بنفس ذات النظرة التي شابهت الطاووس حين ينتفخ ريشه
أنا بقا لاقيت تعالى ورايا.
استني هنا هو إيه اللي تعالى ورايا هو أنتي سايقة جاموسة ولا مديرتي في الشغل ولا حاجة
ضيقت عيناها وكأنها تقيمه ثم نفت برأسها
لا أنت ماتنفعش.
سألها ببلاهه لحظية دون استيعاب
مانفعش لإيه أبقى جاموسة
لا دي سهلة أي حد ينفع فيها ماينفعش تشتغل عندي أنت نايتي خالص بونيتين نيموك ساعتين دا أنت لو خبطت في مفتاح من اللي بنصلح بيهم بالغلط احتمال يجيلك ارتجاج في المخ.
كاد يخرج عن طور التحضر والرقي الذي يحاول أن يسلكه معها منذ رآها وشيطانه يوسوس له أن يتركها وسط هذا الظلام ربما يأكلها ذئب ويرتاح منها ومن لسانها.
ولكنه حجم شياطين غضبه بسيطرة تحسب له
هي الأخت شغالة إيه معلش
وكالعادة لم يسلم من سلاطة لسانها حين اجابته بفخر تطرف بالمرح
شغلانة لو اشتغلتوها تبقوا عمد.
وقبل أن يتحدث قاطعته بصرامة زائفة
هنقعد نرغي كتير لحد ما يجي قاطع طريق يجيب أجلنا احنا الاتنين ونخلص!
زمجر بنفاذ صبر
ياريت يااارب
سارت أمامه وهي تشير له بإصبعها محذرة بصوت حازم وكأنها إندمجت في فيلم الأكشن و تحاول إتقان دور زعيمة العصابة
اسمعني كويس في اللي هقوله بقا عشان مش عايزه غلطة.
إلى هنا ولم يحتمل إنفجر غضبه وبحركة مباغتة قبض على إصبعها بقوة وهو يهدر فيها بغل
بت أنا ساكت وعاصر على نفسي شوال لمون من ساعة ما جمعتنا أقذر ساعة في تاريخ البشرية ف اقفي معووج واتكلمي عدل ماتختبريش صبري أكتر من كدا.
سحبت إصبعها مسرعة وكأنه سيلتهمه في التو ورددت بنبرة بريئة منخفضة بعيدة كل البعد عن سابقتها
مالك بس يا أستاذ خلي خلقك استرتش شوية.
رفع حاجبه الأيسر يتابع البراءة التي سارعت لتطفو على ملامحها وحروفها
دلوقتي بقيت أستاذ ناس ماتجيش غير بالعين الحمرا صحيح قولي يلا الحل يا ست العاقلين.
غمغمت بصوت مكتوم
اللهي تحمر لحد ما تبقى أكبر حمار.
سألها بتحذير خفي
بتقولي إيه
عادت لذات البراءة المستفزة
أنا خالص مابقولش أنا بس عندي سؤال بسيط خالص ليه العين الحمرا ليه مش الخضرا مثلا او الصفرا دا الأحمر لون كيوت.
احمرت عيناه بغضب شابه بركان على وشك الانفجار فتمتمت مسرعة
غيرت رأيي الاحمر لون زي الزفت.
اخذ شهيق بصوت عال قبل أن يهتف فيها بأخر ذرة صبر
قولي الحل.
تشدقت على مضض
أنا ليا خالة عايشة في اسكندرية لوحدها وعندها زهايمر هنروح أنا وأنت نقعد عندها كام يوم وهنقول إنك آآ.
سألها مترقبا
إني إيه
فأجابت مسرعة وكأنها تخشى فرار حروفها الجريئة من حافة لسانها
إنك جوزي.
نعم ياختي!
صاح بها مذهولا فراحت تبرر له
مفيش حل غير كدا هي أصلا بتنسى كتير ولو قولتلها إنك جوزي هتصدقني وهنقول إن بيتنا حصل فيه حريقة ف هنقعد عندها كام يوم لحد ما يتجدد وأنت بليل هتبات في اوضة فوق على السطوح كأنك في شغل وطول النهار هتبقى معانا عادي أصل احنا مش عايشين في امريكا عشان ادخل عليها وف إيدي واحد زي القمر واقولها هاي يا أنطي دا واحد صاحبي لسه عرفاه أمبارح ولا الجيران يشوفوا واحدة شابة جميلة زيي جايه مع واحد غريب وحالي يتوقف اينعم أنت كدا كدا هتوقفه بس مش مشكلة هبقى اقولهم اتطلقت.
كان متسع الحدقتين والدهشة تغرق فيهما متعجبا من قدرتها على نسج الكذبات بمنتهى السهولة والذكاء!
ثم لم يمنع نفسه من القول بتهكم
كاااات هايل يا فنانة أنتي موهبة مدفونة في الإخراج.
كانت ملامحها منعقدة في غضب طفولي بعض الشيء لأنه لم يقدر أفكارها العبقرية فيما استطرد عمر بجدية وملل هذه المرة
هو دا اللي ناقص إنك تورطيني في جوازة!
إيه يا عم توم كروز حد قالك إني هموت وأتجوزك بجد دي كذبة بيضة عشان مضطرين!
صاحت فيه مغتاظة فضرب كف فوق كف وأضاف بحسم
لا بيضة ولا سوده أنا مش هعمل الهبل دا طبعا.
هنا استخدمت المسكنة الانثوية كأخر سلاح في يديها لمجابهته وهو يتابعها بغير تصديق يكتشف فيها مواهب متعددة اخرهم التمثيل البارع
لو يرضيك إنك تسيب أنثى وحيدة مكسورة الجناح للذئاب البشرية دول عشان ينقضوا عليها وذنبها الوحيد إن مشاعرها الطيبة البريئة غلبتها وصعبت عليها وحاولت تنقذك ماتعملش الهبل دا وأمشي يا آآ..
ثم ضيقت عيناها متسائلة بجدية وكأنها انتبهت لشيء اهم الان
أنت اسمك إيه صحيح
اجاب بابتسامة مظلمة ساخرة
عمر عمر يا فنانة.
فأكملت بأداءها الدرامي
امشي يا عمر امشي.
هز رأسه نفيا في قلة حيلة وداخله مؤيد لما تقول حتى وإن كان في ثوب السخرية ومن ثم أخبرها بتهكم
لا أمشي إيه بقا دا أنا لو مشيت بعد العرض المبهر دا الفنانة ميرڤت أمين تيجي تقيم عليا الحد انتقاما لتلميذتها الممتازة.
في نفس المكان الذي يقام فيه مباريات المصارعة..
وقف سلطان أمام مكتبه ويداه ترتفع وتهبط ببطء ضاربة المكتب بحدة تنم عن تفاعل مشاعر الغضب والسخط داخله مع أفكار عقله الوليدة في كل ثانية تمر دون أن يجد عمر ك شرارات نارية كاد ينتج عنها إنفجار وشيك يدمر الأخضر واليابس
فيما وقف ذراعه الأيمن ورجله المخلص أمامه يراقب ضربات يده شاعرا أن الضربة التالية ربما تكون على وجهه هو ولكن بطريقة أكثر شراسة وقوة بسبب فشله!
قطع سيل أفكاره صوت سلطان الذي كان هادئ هدوء ما قبل العاصفة
يعني مش بس فشلتوا إنكم تحافظوا على وجوده لحد ما يفوق من الاغماء لأ كمان فشلتوا ترجعوه.
فهز الاخر رأسه نافيا وحاول القول بثقة أثبتت حروفه الملجلجة افتقارها حاليا
كلها مسألة وقت بس يا سلطان بيه وهنلاقيه ونرجعه.
فاستدار سلطان نحوه متسائلا بحروف تحوي بين ثناياها الكثير من المعاني
أنت عارف لو ملاقيتوهوش أحنا هيبقى إيه وضعنا
اومأ برأسه مؤكدا فهو يحفظ قوانينهم عن ظهر قلب
عارف يا باشا هتبقى مصيبة على الكل لأنه كان مفروض يخسر ويموت او يكسب ومكافأة الفوز هتسكته لكن دلوقتي ممكن يقول أي تفاصيل لأي حد عن اللي بيحصل هنا.
هز سلطان رأسه مؤيدا ما يقول ثم أضاف عليه بما تمليه عليه الاحتمالات
وكمان البت اللي خدته احنا منعرفش مين دي وعرفت منين إنه هنا أكيد في حاجة وراها خلتها تتصرف بالثقة دي وقتها.
وما أن أنهى كلامه حتى أشار بأصابعه في وجهه آمرا بجمود
عايزه يكون قدامي في أقرب وقت وإلا ماتلوموش إلا نفسكم على استهتاركم وفشلكم.
بدأت الشمس تولد من رحم الظلام شيئا فشيء لتبزغ بضوءها الخفيف الذي يعطي الجو مظهر يسر العين وينثر السكينة والراحة في النفس..
وصلا بعد فترة بسلام اخيرا لمحافظة الاسكندرية والتي لم تكن بعيدة كثيرا عن موطن عيشهم وتوجها نحو منزل خالة نوسين..
كان منزل متوسط يوحي بالحالة المتوسطة لأصحابه بداية من بابه الرئيسي العملاق المكون من الحديد الذي غلب عليها الصدأ حتى دخلا معا ليقابلا السلم الرخامي فبالرغم من حالته الجيدة إلا أنهما قابلا بعض الدرجات المكسورة فكادت نوسين تتعثر عدة مرات مدت يدها تستند على العمود الحديدي المائل بجانبها إلا أنها لم ترمي كامل جسدها عليه بسبب تحذيره من خلفها
حاسبي عشان مش ثابت كويس.
أومأت برأسها ثم تابعت الصعود للطابق الرابع وكانت أنفاسها هي تحديدا منقطعة لاحظت ثبات أنفاسه فانتشرت امارات الغيظ فوق وجهها ونطقت بعفوية
ماشاء الله مضروب ونفسك زي الاسد.
رمقها بامتعاض لتعبيرها الفج ثم تابع نظراته لباب الشقة الخشبي المتهالك بعض الشيء بتفكير فقطعته عليه بثرثتها كعادتها
على فكرة هي مش خالتي خالتي هي بنت خالة أمي المهم خالتي دي بقا الزهايمر شديد عليها شوية بعيد عنك لكن رغم كدا أنا الوحيدة اللي عمرها ما تنساني اصل أنا الغالية امال دي كانت على طول تقولي آآ.
قاطعها عمر حين جذبها من ذراعها بحركة مباغتة حتى كادت تصطدم بصدره فارتعدت خلاياها تأثرا من لمسته العارضة لجسدها العذري ورفعت بندقيتاها له التي شابهت قطة مذعورة في تلك اللحظات ليقول هو غافلا عما تشعر به
أسمك إيه
انتفضت مبتعدة عنه وهي تردد بغضب ظاهري تخفي به ارتباكها
في إيه! دي مش مسكة واحد بيسأل واحدة عن أسمها دي مسكة واحدة قفش واحدة متلبسة في قضية اداب.
عقد ذراعيه وقد شعر لجزء من الثانية بشيء ضئيل داخله مستمتع بمشاكستها قبل أن يخنقه الجمود المظلم الذي عاد يسيطر على كل إنش داخله من جديد
معلش أصلي تخيلي معرفش أسم الواحدة اللي هقول عليها مراتي.
استطردت بهدوء
نوسين.
نعم
سألته بتحد
إيه في حاجة
سخر منها دون وجود حقيقي للمرح في قسماته
أسمك دا ولا تعويذة
فرفعت إصبعها بوجهه من جديد وهي تصيح فيه بشراسة
لا بقولك
قاطعها حين نظر لإصبعها وتمتم من بين أسنانه بلهجة مهددة
تاني برضو
فسارعت بسحب إصبعها للخلف وهزت رأسها معللة
ما أنت اللي بتعصبني الله!
لم تهتز معالمه الصلدة وهو يأمرها بكمد دفين
اطلعي.
بعد عدة طرقات على الباب فتحت خالتها الباب لتظهر امامهم امرأة في اواخر عقدها السابع ترتدي جلباب ذو ورود مزرقشة بألوان تحمل بهجة مفرطة لا تنتمي لفصول عمرها وتضع أحمر شفاه فاقع اللون فيما ترمقهما بنظرات متفحصة رافعة حاجبها الأيسر.
فاندفعت نحوها نوسين مرددة أسمها بشجن تعمدت إظهاره للواقف خلفها
خالتي حبيبتي.
تصنمت الاخرى لثوان وكأن إندفاع نوسين باغتها قبل أن تدفعها بعيدا عنها وتصيح بحروف مرتابة مضيقة عينيها
أنتي مين يا بت
سؤالها كان بمثابة ألغام جمدتهما مكانهما وكأنهما يدرسان الخطوة التالية ولكنها لم تمهلهما الوقت حين صرخت بهيستيرية وهي تحاول تخطيهما والركض نحو الباب
حرااااااامية إلحقوووني.
فزع كلا منهما حرفيا وإنقضا عليها يحاولان إيقافها بينما نوسين تهتف متوسلة لها بصوت على مشارف البكاء
حرامية إيه يا خالتي أنتي فقدتي الذاكرة خالص ولا إيه يقطعه الزهايمر أنا نوسين نوسين يا خالتي بنت صباح.
استكانت خالتها شيئا فشيء وكأن الأسم أنار عتمة عقلها الذي غادرته معظم الذكريات ككهف مهجور!
ثم إلتوت شفتاها في ابتسامة بطيئة وهي تهمس بفرح متحسسة بشرتها الناعمة
برقوقة!
تجمدت نوسين مكانها لم تكن تتوقع ابدا أن تتذكر ذلك اللقب اللعين!
ثم ابتلعت ريقها وقالت برجاء تخفى وسط حروفها
برقوقة مين يا خالتي أنا نوسين.
فضربت وجنتها برفق مواصلة بنفس الابتسامة
ايوه افتكرتك برقوقة الشقية.
أغمضت نوسين عيناها بسخط على الحظ وعلى القابع جوارها الذي سيشمت بها بالتأكيد وعلى البرقوق !
فيما لكزها عمر بذراعه وغمغم بمكر لمع بحدقتيه
ما تردي يا برقوقة.
هزت كتفاها بلامبالاة فشلت في إتقانها هذه المرة
برقوقة مين دي مش أنا يابني أكيد تقصد حد تاني.
لم يستطع تحجيم لسانه الذي أصر على مشاكستها
كدا برضو تستعري من لقبك يا برقوقة دا حتى لقب كله ڤيتامينات.
دفعته نوسين نحو الخارج وهي تقول بعصبية هوجاء
يلا نمشي يلا نمشي بقولك غلطت في العنوان دي مش خالتي ولا أعرفها أساسا.
أوقفتها خالتها حين أمسكت بذراعها وملامحها تصرخ بالصرامة
برقوقة! رايحة فين ومين دا
استدارت لها على مضض واستطردت مرغمة بينما تود البكاء حرفيا
دا جوزي يا خالتي.
فمد عمر يده ليصافحها متمتما بابتسامة سمجة
ازي حضرتك أنا جوز برقوقة.
استحالت محياها للتعجب قبل أن ينطلق السؤال من فوهة شفتيها المزمومتين
جوزها أنتوا اتجوزتوا امتى
من حوالي ٥ شهور كدا تعالي معايا نقعد جوه ندردش براحتنا وتقوليلي أنتي متشيكة كدا ومستنية مين يا شقية.
هتفت بها نوسين التي حاوطت خالتها بذراعيها تناغشها بمرح اعتادت حروفها على الانسياق في مداره.
بعد قليل
كانت نوسين تعد بعض اكواب الشاي كما طلبت منها خالتها التي كانت تنتظرها بالخارج جوار عمر فعلى رنين هاتفها معلنا وصول اتصال..
نظرت نوسين نحو مدخل المطبخ وكأنها تتأكد من عدم تواجد أي شخص قريب ثم أجابت بصوت خفيض
ايوه.
استمتعت لحديث الطرف الاخر ثم ردت بكلمات بها نثرات من الغضب والقلق المدفونين
على فكرة اللي أنا فيه دلوقتي بسببك.
..
لا أحنا ماتفقناش على كدا ابدا.
أنا حاسه إني اتدبست في موضوع ماكنش ليا أي علاقة بيه.
.
ماشي أما نشوف ربنا يسترها.
وفي حين كانت تستمع للجملة الأخيرة من الطرف الاخر لمحت بطرف عينيها ظل احدهم يقبع خلفها فارتعدت فرائصها وارتعش قلبها بخوف حقيقي من إنكشاف كل شيء قبل بدايته حتى!
ثم بدأت تستدير نحوه ببطء بأقدام كالهلام كادت تسقطها حرفيا من فرط ما شعرت به هذه اللحظات و.
يتبع
أخذت زفير بصوت عال ما أن وقعت عيناها على الشخص الذي كان يقف كاللص خلفها والذي لم يكن سوى خالتها التي سألتها بهدوء وهي تقترب منها
مالك يا برقوقة
فهزت البرقوقة رأسها نافية وهي تجيبها ببساطة تجانست مع التهكم الملتصق بلسانها
لا مفيش أي حاجة أنتي كنتي هتخلي برقوقة تقطع الخلف بس.
ما أنتي اللي عمالة تتكلمي بصوت واطي لوحدك هنا ولا كأنك شغالة مع أمن الدولة!
لوت شفتاها مشيرة لنفسها بضحكات متقطعة يخالطها الاستهجان
بذمتك دا منظر واحدة شغالة مع أمن الدولة! وأشتغل معاهم إيه بقا ان شاء الله يخوفوا بيا المساجين
وحياتك ولا حتى دي هتنفعي فيها.
فاعترضت بتذمر
في كلام أحسن من كدا وبيدي نفس المعنى على فكرة.
قالت بصلافة وهي تشير بعينيها نحو الشاي
فين الشاي يا برقوقة وبطلي رغي.
توسلتها نوسين محاولة إقناعها
بطلي تقوليلي برقوقة أسمي نوسين او أقولك.. بلاش نوسين ياستي دا أسم مسهوك أساسا قوليلي نونا زي ما الناس بتقولي.
سألتها بلامبالاة
وأنا مالي بالناس
راحت تحاول استعطافها مضيقة عينيها وما بين حاجبيها كقطة وديعة
يعني يرضيكي يا خالتي أبقى شابة كبيرة زي الوردة كدا والناس تسمعك بتقوليلي برقوقة!
أنتي برقوقة وهتفضلي برقوقة حتى لو بقا عندك تسعين سنة.
تابعت دون وعي لما يتسرب من لسانها السليط
هو أنتي هتفضلي عايشة لحد ما يبقى أنا عندي تسعين سنة وتقوليلي يا برقوقة!
فشهقت الاخرى صارخة فيها بصدمة حادة
بنت! أنتي قولتي إيه بتفوولي عليا يا برقوقة!
وضعت يدها على فاهها سريعا تكتمه وكأنها تمنعه من الثرثرة المطلقة وغمغمت
اسفة ماقولتش ماقولتش.
فتحركت خالتها لتخرج من المطبخ وهي تأمرها بصلابة
اتفضلي يلا هاتي الشاي وحصليني على برا.
تمتمت مغلوبة على أمرها
حاضر.
ثم عضت يدها بغيظ وهي تطلق صرخة مكتومة مرددة لنفسها وداخلها رغبة بالبكاء تتصاعد
أنا اللي جبته لنفسي أنا مني لله.
أحضرت نوسين أكواب الشاي لهما مدت يدها بالكوب لخالتها اولا فأخذته شاكرة إياها ثم عمر فعل المثل ولكنه بالطبع لم يفوت فرصة مضايقتها بسبب لسانها السليط فرسم ابتسامة أبرزت أسنانه دون أن تتلون بالمرح وقال بنبرة صبيانية بعض الشيء
تسلم إيدك يا أنسة برقوقة.
إنتبهت خالتها للفظ أنسة الذي خانه وهرب من سجن التحفظ والحذر الذي يقيمه عقله فعقدت ما بين حاجبيها وكادت تنطق متساءلة ولكن نوسين دعست على قدم عمر بغل سببه الظاهري خطأه العفوي أمام خالتها ولكنه في الحقيقة بسبب ذلك اللقب الذي تكرهه أكثر من أي شيء وأردفت من بين أسنانها
الله يسلمك يا حبيبي.
فسارع عمر باغتصاب ابتسامة زائفة على شفتيه وردد بقليل من التوتر وهو ينظر نحو خالتها كاتما الألم الطفيف في قدمه
بهزر طبعا.
أنقذه صوت طرقات على الباب فتوجهت نوسين نحوه لتفتحه تفاجأت امامها برجل في بداية عقده الثامن يرتدي بذلة سوداء وبين يديه باقة ورود حمراء وعلى وجهه المجعد ترتسم ابتسامة واسعة سعيدة وجواره امرأة اصغر منه عمرا يتماثل فمها لابتسامة مشابهه للاخر فهزت نوسين رأسها وهي تستفسر بهدوء
نعم انتوا مين
تراجعت الابتسامة عن شفتيها قليلا وهي تخبرها
أنا فوزية جارتكم امال فين ثريا
أشارت بيدها للداخل وهي تجيبها بينما عيناه لم تنزاح عن ذلك الرجل بشك
جوه بس مين الاستاذ
دا الاستاذ ممدوح العريس.
للحظات لم تستوعب نوسين ما سمعته جيدا فرددت ببلاهه تلقائية
عريس! هي خالتي كانت لسه بتدورلي على عريس بس أنا اتجوزت خلاص يا طنط.
إنكمشت ملامح الرجل وكأن الحديث الدائر أصابه بالضيق فيما اعترضت فوزية في حنق من غباء نوسين
بتدورلك إيه وأحنا مالنا بيكي دا عريس ليها هي.
إستعلمت من جديد بسذاجة أصابت عقلها فجأة وكأنه توقف عن العمل بسبب المفاجأة
هي مين
تأففت بنفاذ صبر
يوه! خالتك هي فين ناديها كدا.
ابتعدت نوسين من أمام الباب وهي تشير لهما نحو الداخل وعقلها عاد من جديد يعمل ببطء في تحليل ما وقع على اذنيها فاتسعت حدقتيها وفتحت فاهها وهي تغمغم لنفسها بعفوية متذكرة
اااه اتاريها لابسة الحتة اللي على الحبل وحاطالي روچ أحمر وأنا اللي قولت دا السن وعمايله طلعت مش سهلة ثريا دي.
إنتفخت اوداج الرجل بغرور ذكوري وداعب بأصابعه خصلاته البيضاء المصففة بعناية فانتبهت لهما نوسين وقالت بابتسامة مصطنعة مرحبة
اتفضلوا العروسة جوه.
دلفا معا نحو الداخل فنهضت خالتها ثريا ترحب بجارتها وصديقتها بمودة
بنت حلال يا فوزية لسه كنت هقول لبرقوقة تناديكي.
تناديني إيه ما أنتي عارفة إن أحنا جايين.
أعلمتها فوزية متعجبة لتسألها ثريا بتعجب لا يقل عن تعجبها
أنتوا مين وجايين فين!
مالت عليها تتشدق بعتاب خفيض أقرب للتوبيخ
يوه يخيبك يا ولية أنتي رجعتي تنسي تاني طب لمي الدور حتى قدام الراجل.
همست ثريا بفضول
راجل مين
لبت سؤالها الفضولي بهمس مماثل من بين أسنانها ضاغطة على حروفها
العريييس.
وكأن الادراك ضرب عقلها كبرق في ليلة مظلمة لينيرها بغتة فبدأت وجنتاها تتورد شيئا فشيء وهي تنزل رأسها ارضا وتفرك أصابعها بتوتر خجول متابعة برقة فتاة في العشرين من عمرها وليست امرأة في عقدها السابع
اهلا وسهلا يا استاذ ممدوح اتفضلوا.
فتقدم ممدوح مبتسما وتودد لها
يزيد فضلك
بينما نوسين تهز رأسها مراقبة اياهم بابتسامة بلهاء غير مصدقة وهي تردد بتأثر كاذب
يا حبايبي!
ثم إنتبهت لعمر الذي كان غارق في الضحك وكأنها تذكرت وجوده للتو فاقتربت منه متسائلة بغيظ
أنت بتضحك على إيه
أجابها بحروف متقطعة من بين ضحكاته التي كان يحاول كتمانها
بصراحة أنا كنت مفكر إن أنتي بس اللي لاسعة بس ماشاء الله طلعت العيلة كلها هوبا.
ضمت ذراعيها لصدرها وتلفظت بتبرم
نعمل إيه بقا في طيش الشباب اللي جايبلنا الكلام دا.
استعار انتباههما صوت ممدوح الذي قطع همهماتهما الجانبية بقوله الجاد