رواية نوسين جميع الفصول كاملة عمر ونوسين بقلم رحمة سيد
المحتويات
اسمي نوسين.
إنطلقت الكلمات من جوف الكتمان تعلن السؤال الذي كان يراوده منذ رآها
اهو الاسم اللي عامل زي التعويذة دا بالذات أنا شاكك فيه انتي مين سماكي اسم زي دا ومعناه إيه
رمقته بنظرات متلألئة بالغرور الذي من المفترض أن يستفزه ولكنه على غير العادي يضحكه
معناه المستقبل ماما اللي سمتني أصل أنا ليا اصول تركية.
استسلم لذلك الحبس الاجباري لكليهما وقرر الاستمتاع به ف راح يحثها ولأول مرة على الثرثرة معه معترفا أن ثرثرتها مفيدة احيانا للقضاء على وقت الفراغ
وعلى كدا بقا بتعرفي تتكلمي تركي
أكدت بفخر
طبعا امال.
طب ما تسمعينا حاجة كدا.
تفوهت بنبرة درامية مرحة
دخيلك عدنان بيك لا تتركني هيك.
لأول مرة تنطلق ضحكات عمر مخترقة حاجز السكون لدرجة أن برزت نواجزه مناغشة دقات قلب الماكثة جواره تتأمل ضحكاته الرجولية بشجن ثم سألها ولازالت بقايا ضحكاته متعلقة بفمه
دا تركي دا
إنتقلت لها الضحكة مزينة اجابتها التالية الغارقة بالغرور
لا أنا كنت بهزر معاك اوعى تفكر إني جاهلة عشان مكملتش تعليم أنا مثقفة بالفطرة وأعرف كلمات تركية بجد.
سألها متهكما
كلمات زي عدنان بيك لا تتركني هيك
فهزت رأسها نافية بسرعة تخبره بالكلمة التي كانت ترجمتها أنا أحبك
لا لا كلمات بجد زي Seni seviyorum.
ضيق عيناه بشك
اوعي تكون شتيمة
فنفت وراحت تسرد في مكر أجادت اخفاؤه
لا لا شتيمة إيه دي حاجة كدا زي صباح الخير.
امممم فعلا
أكدت بلا تردد بنبرة صبيانية معهودة
عيب عليك هو أنا هضحك عليك يعني!
هز رأسه مبتسما ثم استشعر الجو الحار الذي خنق الغرفة فنهض وفتح الشرفة سامحا للهواء باختراق الغرفة ولكنه دخل محملا برائحة الطعام من المطعم الصغير الذي لم يكن بعيدا عن المنزل فأغمضت نوسين عيناها بانتشاء وهي تبلل شفتاها بلسانها في حركة تنم عن تلذذها الكبير مهمهمة كالقطط
أنا مابحبش الكفتة بس ريحة الفحم بتغسلني من جوه.
لم تدر أن حركتها العفوية كانت كلسعة سوط ضاري على مشاعره
إنتبهت اخيرا لنظراته المسهمة على وجهها فأشارت له بأصابعها منادية
إيييه أنت متنح كدا ليه روحت فين
أخذ نفس عميق وغضبه الداخلي بدأ يتصاعد.. لاعنا مشاعره التي قررت إنهاء غفوتها الطويلة.
ثم نهض بقليل من الانفعال وبدأ يبحث في الغرفة عن أي شيء يفتح به ذلك الباب وأجابها اثناء ذلك
أحنا لازم نتصرف ونفتح الباب دا.
اومأت نوسين مؤكدة وبدأت تبحث معه حتى وجدا أخيرا آلة حادة رفيعة بدأ عمر يحاول فتح الباب بها دون ضوضاء حتى لا يتسببوا بإيقاظ خالتها وربما تتهامهما أنهما لصوص!
نجحا أخيرا في الخروج بعد عدة محاولات وتوجه عمر صوب الغرفة التي يقطن بها والتي كانت عبارة عن غرفة فارغة صغيرة جدا بها فرش على الأرضية ينام عليه..
قطع غفوته صوت طرقات على باب الغرفة ثم صوت نوسين يناديه بهدوء ورقة
عمر.
فاعتدل جالسا وهو يجيبها بصوت أجش لازال به اثار النوم
ادخلي يا نوسين.
دخلت بالفعل حاملة بين يديها طبق من الأرز بلبن وتتحدث بابتسامة حلوة رائقة زادت ملامحها جمالا فوق جمالها
أنت طولت في النومة النهارده وخالتي عاملة رز بلبن قالتلي أصحيك وأطلعهولك تفطر بيه.
اومأ برأسه موافقا بغير حماس ثم نهض فعقدت ما بين حاجبيها واستفسرت
أنت مش بتحب الرز بلبن ولا إيه دا حلو أوي.
قالت اخر كلماتها وهي تلتقط الملعقة وتتناول جزء منه بها مهمهمة باستمتاع وتلذذ وهي تكرر ذات الحركة اللعينة بإغلاق عينيها والإنسجام المفرط في التذوق..
ثم مدت له الطبق لمح عمر بقايا الأرز عالقة بطرف شفتاها
صوت ضوضاء خارجية كان السبب في استيقاظ عمر منهية حلم كان من ألذ ما حلم نهض يلتقط أنفاسه وكأنه كان في ماراثون عاطفي مصدوما من هذا الحلم وتلك المشاعر !
ضرب الحائط بعنف وغضب عدة مرات بيده صارخا صرخة عبرت عن جزء قليل مما يجيش بصدره.
واخيرا بعد قليل بدأ يهدأ ولكن جوفه لا زال محتفظ بذلك الشعور كالعلقم نزل نحو شقة خالتها طرق الباب وعلى عكس كل أمنياته كانت هي التي فتحت الباب وقابلته بابتسامة هادئة
صباح الخير يا عمر.
هز رأسه بلا معنى وكاد يعبر لولا أن اوقفته متسائلة بشيء من الاستنكار
إيه دا مش هتقولي صباح الخير
صباح الخير.
رددها باقتضاب فعبست عمدا وراحت تشاكسه
إيه دا صباح الخير عادي كدا وكل الدروس بتاعت الكلمات التركي امبارح ما أثرتش فيك!
رمقها بنظرات مغلقة مقتبضة ومر دون أن يجيبها مسببا لها دهشة لم تفصح عنها وفضلت الصمت.
وحين خرج من المرحاض كانت نوسين تتقدم منه ممسكة في يدها طبق ارز باللبن فاتسعت حدقتاه غير مصدقا أن ذاك الحلم البغيض يلاحقه الان ايضا !
وقبل أن تقترب أكثر كان يوقفها هادرا وكأنها ستصيبه بوباء قاتل
ابعدي ابعدي اوعي تقربي!
تجمدت نوسين مكانها ولم تستوعب ما أصابها فتلكأت حروف أسمه على شفتيها بتعجب جلي
عمر!
بلا عمر بلا زفت.
ثم تحرك بخطى سريعة ليغادر دون اضافة المزيد تاركا إياها تحاول استيعاب ما أصابه.
بعد يومين..
في منطقة مختلفة كان عمر يقف في جانب من الشارع وعيناه مسلطة على الأطفال الذين يلعبون سويا منتظرا شيء معين حتى تحقق وتقدم منهم احد الأطفال الذي يقصده عمر..
فتحرك بحذر وهو يوزع نظراته من حوله ليتأكد من عدم انتباه أي شخص له وانحنى حتى أصبح في مستوى الطفل فسأله بصوت هامس
عاوز شيكولاته من الكبيرة يا حبيبي
هز رأسه مؤكدا بلمعة سعادة طفولية فتابع عمر
بس اوعى تقول لصحابك عشان أنا مش معايا غير واحدة وأنا حبيتك فقولت محدش هياخدها غيرك.
اتسعت ابتسامة الطفل بنصر طفولي ثم إلتفت لأصدقائه قائلا
استنوا خمس دقايق وجاي.
وأمسك بيد عمر التي مدها له وسار معه نحو احد الشوارع الجانبية وما أن اصبحا بمفردها حتى أخرج عمر قطعة صغيرة من القماش بها مخدر ووضعها على أنف الطفل الذي لم يستغرق دقائق طويلة ليفقد الوعي بين ذراعي عمر.
.
يتبع
أدخل عمر الطفل للسيارة التي كانت تنتظره والتي كان بها نوسين ومعها جارها وصديقها المقرب حوده ثم ركب هو الاخر فأشارت نوسين ل حوده هاتفة بتوجس وكأنهم سيتم امساكهم بالجرم المشهود في أي لحظة
اطلع بسرعة يا حوده يلا.
وبالفعل إنطلق حوده بالسيارة فالتفتت نحو عمر تسأله بقلق لم يخف عليه
متأكد إن محدش شافك دي فيها كلبشات دي.
شبه ابتسامة ملتوية متشبعة بالسخرية تراقصت على ثغره وهو يجيبها بذات اللهجة المقتضبة التي باتت تكرهها فعليا وتجهل سببها حتى الان
محدش شافني.
ضربت نوسين على كتف حوده وأخذت تتلفظ بنبرة ذات مغزى وهي ترمي عمر بنظرات تحمل معاني يفهمها جيدا
سوق يا حوده سوق يا سمح يا ابو وش بشوش أنت لازم تشكر ربنا إنه ماخلقكش بوش بومة زي ناس.
تعترف داخلها أنها أرادت اثارة كمده ولكنه الان بتجاهله الواضح لم ترميه من كلمات ذات معاني مبطنة نجح وبجدارة في رد الصاع صاعين لها واشعال الغيظ داخلها دون مجهود يذكر.
تنهدت وهي تريح جسدها للخلف مستندة على مقعد السيارة تتذكر ما حدث قبل هذه الوقعة أي قبل هذا اليوم بيومين
كانت نوسين تغسل يدها حين صدح رنين هاتفها معلنا وصول اتصال لها من حوده فأجابت الاتصال بأطراف أصابعها بصوت هادئ وهي تفتح مكبر الصوت وتضع الهاتف أسفل ذراعها
عامل إيه يا حوده
أتاها صوته الأجش
الحمدلله يا نونا أنتي عاملة إيه
بخير الحمدلله.
سألها
هتيجي امتى ياريتك ما ورطتي نفسك مع الجدع دا مش هيجيلك من وراه غير الهم.
عقدت ما بين حاجبيها متعجبة من لهجته القانطة المتحفظة
ليه بتقول كدا يا حوده
تكلم بنفس اللهجة
من ساعة ما مشيتي وتقريبا كل يوم بيجي اتنين يتأكدوا أنتي رجعتي ولا لا شكلهم مش هينسوكم لما تغيبوا كام يوم زي ما قولتي وأكيد أنتي مش هتفضلي هربانة طول عمرك
برغم القلق الذي استباح مكمن احساسها إلا أنها سألته بتشكك
أنت متأكد إنهم هما
أكد لها دون تردد
ايوه طبعا متأكد زي ما أنا متأكد من أسمي دول بيطلعوا يتأكدوا فوق من الشقة نفسها دا كان يوم اسود يوم ما شوفتيه وساعدتيه.
دون سيطرة منها وجدت لسانها يتولى دور ترجمة ما هدر به قلبها
ماتقولش كدا يا حوده.
سمعت نغمة صوته التي تلحنت بالسخرية البحتة
يا حنينة! وماقولش كدا ليه مش دا اللي حصل
صمتت برهه وقد ارتبكت من افصاح لسانها عما يحويه قلبها ولكنها أغلقت مكبر الصوت وأمسكت بالهاتف متابعة بصوت جاهدت أن يبدو ثابت وعادي
أكيد هو ماكنش عايز يحصل اللي حصل بس دا قدر وبعدين هو شخص كويس جدا ماشوفتش منه حاجة وحشة وسافر معايا وفضل جمبي عشان يتأكد إن محدش يأذيني واحد غيره كان ممكن يختفي من حياتي ويطنش خصوصا إنه فيه اللي مكفيه.
أحست أنه يهز رأسه وهو يغمغم بيأس
طيب.
طيب هقفل أنا دلوقتي وهكلمك تاني.
ماشي مع السلامة.
وبالفعل أغلقت الخط ثم استدارت لتجد أمامها
بسم الله الرحمن الرحيم في إيه ما تقول احم ولا دستور!
لم يسخر بأي قول كالعادة او يشاكسها بل بدا وكأنه لا يريد أن يضع نقطة تواصل جديدة معها مكتفيا بما دونه القدر في صفحاتهما السابقة ورافضا إياه ايضا
أنا هخلصك من الموضوع دا.
سألته بعقل لم يدرك مقصده كليا
موضوع إيه
اجابته كانت باردة مقتضبة
الناس اللي بيجوا كل يوم يشوفوكي في بيتك فعلا أحنا مش هنفضل طول عمرنا هربانين.
استفسرت بنبرة غلب عليها التوجس
وهتخلصني منهم ازاي
هز رأسه نافيا بصدق
حاليا مش عارف بس هتصرف.
ثم استدار لينصرف عازما على تنفيذ ما قاله وتخليصها منهم
هكذا كانت البداية ثم بالطبع لم تتركه نوسين سوى بعد أن أخبرها بما يود فعله فأصرت على مشاركته مرددة بعزم بعد أن أعرب عن رفضه
أحنا مع بعض في الموضوع دا سوا يبقى هنخلص منه سوا برضو.
هز رأسه نافيا وراح يخبرها بشيء من السخرية
يعني أنا عايز أخلصك من الموضوع دا أقوم أورطك في اكبر منه لا طبعا.
إنخرط المكر بحروفها وهي تسرد له دهاء تفكيرها
مش بمزاجك على فكرة لأن أنت محتاج مساعدتي.
رفع حاجبه الأيسر محتجا
محتاج مساعدتك ليه يا عبقرية زمانك
أكملت بذات الطريقة
تقدر تقولي هتجيب منين العربية اللي هتروح بيها المنطقة اللي هتاخد منها الواد وكمان البيت اللي هتحط فيه الواد بعد ما تاخده
تنهد وقد أيقن أنه وقع في مصيدة سؤالها ولن ينفك منها سوى بموافقته على مصاحبتها
كنت هتصرف.
الكلام سهل بس التنفيذ أصعب أنا عندي الشخص الثقة اللي هنحط الواد في بيته وهيتصرفلنا في عربية يودينا بيها كمان.
وبالطبع ذلك الشخص لم يكن سوى صديقها المقرب المخلص حوده والذي لم يعترض اطلاقا على مساعدتهما.
وبالفعل تم الترتيب لكل شيء وأعدا نفسهما للمغادرة من منزل خالتها التي لن تنسى الدموع التي ذرفتها ما أن علمت بمغادرتهما وهي تقول بصوت مبحوح يقطر حزنا جعل نوسين تود مشاركتها البكاء
يعني خلاص هتمشوا وهرجع أقعد لوحدي تاني
نوسين هي تردف بلهفة وحزم
أنتي عارفة إنه غصب عني والله بس صدقيني أول ما أرجع هظبط أموري وهاجيلك كل شوية او هجيبك أنتي تقعدي معايا.
ثريا بابتسامة صغيرة ساكنة..
حتى عمر استشعر الفراغ الذي هدد بمداهمته ما أن أوشك على ترك الجو الأسري الدافئ الذي غمره مؤخرا بعد أن كان مفتقده لفترة طويلة.
عادت نوسين بذاكرتها للواقع على صوت أبواق السيارة التي دخلت للحارة الشعبية التي تقطن بها ويقطن بها حوده فعدلت من غطاء الوجه الأسود الذي ترتديه حتى لا يعرفها أي شخص وارتدى عمر القبعة والنظارة الشمسية اللذان ارتداهما ليخفي ملامحه ايضا تحسبا لأي شيء.
وحمل عمر الطفل بحرص ومن ثم تحركوا خلف حوده الذي قادهم نحو بيته دلفوا جميعهم البيت بسلام فأزالت نوسين غطاء وجهها وهي تتنهد بصوت مسموع
الحمدلله قلبي كان هيقف من الخوف.
تحدث حوده متهكما بشفاه ملتوية
ماشاء الله يا نونا أنا ملاحظ تطور في الاداء كان الاول عصابة بتدور عليكوا دلوقتي بقينا أحنا العصابة وبنخطف أطفال.
زجرته نوسين عاتبة
حوده! ما أنا فهمتك كل حاجة أحنا مش خاطفينه أحنا هنخليه معانا مؤقتا لحد ما أبوه يعمل اللي أحنا عايزينه.
اه طبعا طبعا.
دمدم بها حوده ساخرا قبل أن يربت عمر الذي كانت ملامحه متجهمة على كتفه بخفة ويتشدق بصوت أجش ذو مغزى
تسلم يا حوده على مساعدتك نردهالك في الأفراح.
ود حوده لو يهتف فيه أنه لا يريد منه مردود سوى أن يغادر حياة نوسين التي قلبها رأسا على عقب ولكنه اكتفى برمقه بنظرات شزرة وكتم ما يجول خاطره.
بعد قليل
كان ثلاثتهم جالسين على الأريكة جوار بعضهم وعمر يمسك بهاتف حوده الذي أعطاه له ليتصل بوالد الطفل والذي كان صديقه غير المقرب حازم الشخص الذي أغراه للمشاركة في هذه المصارعة يوم كان ينوي الانتحار..
أتاه صوت حازم المتلهف الذي يبدو أنه قد علم بغياب طفله
الو
تلفظ عمر بهدوء
ازيك يا حازم
سأله حازم بشك في نبرة الصوت
مين معايا
أنا عمر.
دوت المفاجأة في صوته الذي على مرددا الاسم
عمر!
ايوه وأبنك معايا اعتبره في مشوار معايا لحد ما أنت تخلص اللي هنتفق عليه.
أصاب الهلع نبرته حتى استحكمها تماما وهو يتوسله
ابني ملهوش دعوة بأي حاجة يا عمر دا جزاتي بعد ما خرجتك من المكان بعد ما أغمى عليك وبسببي شافتك البنت اللي أنقذتك رجعه وهعملك اللي أنت عايزه.
هز عمر رأسه وكأنه يراه وهمهم بنبرة دبلوماسية
اسف أنا عارف إن أنت اللي خرجتني ساعتها بس ممكن ولائك ليهم يكون اقوى من حبك لصديق عادي زيي بس أكيد مش هيكون أقوى من حبك لابنك.
صمت برهه ثم تابع وكأنه قرر استعطافه قليلا بدلا من التهديد المستمر الذي لربما يأتي بنتيجة عكسية
أنا حياتي وحياة واحدة ملهاش ذنب في أي حاجة هتدمر بسبب ناس غرورها وقسوتها عاميينهم.
سأله حازم بخفوت مستكين بعد صمت لم يطول
أنت عايز إيه بالظبط يا عمر
بدأ عمر يخبره مسرعا بتركيز
كل اللي عاوزه إنك تجيبلي طقم من اليونيفورم اللي بيلبسوه الناس اللي شغالة هناك وتأمن دخولي عشان أصور اللي بيحصل هناك وأسجنهم وأخلص منهم.
لم يأتي الرد سريعا من حازم الذي كان يحسب تلك المسألة جيدا من جميع جوانبها قبل اتخاذ قراره والذي أفصح عنه بعد دقيقة تقريبا ليريح المنتظرين على الهاتف من لهيب انتظارهم
ماشي يا عمر هساعدك عشان أنا نفسي أخلص من القرف اللي بقيت فيه ومن ذنب الناس اللي بتموت وذنبهم في رقبتي وهطلعك الدور اللي فوق بتبقى شايف كل الموجودين واللي بيحصل بس لازم تعرف إن الموضوع مش سهل ومش أمان وكل الاحتمالات وارد تحصل جوه.
هز عمر رأسه مؤكدا على مضض
عارف بس مش قدامي حاجة غير كدا.
تمام بليل هنتقابل في .
ماشي سلام.
لم يصر حازم على عودة طفله الان لأنه يعلم تمام العلم أن عمر من المستحيل أن يؤذيه ليس بعد ما مر به والذي استغله هو بشكل قذر حين وسوس له كالشيطان ليشارك في تلك المصارعة بعد أن اصحبت حياته فارغة ولا قيمة لها !
فيما أغلق عمر الهاتف ثم نظر صوب نوسين وحوده وأمرهما بلهجة صارمة لا تقبل النقاش
انتوا هتيجوا في العربية تستنوني لحد ما أخرج ومهما حصل ماتدخلوش.
اومأ حوده موافقا بينما نوسين تشعر أن قلقها عما قد يحدث لعمر صار كسكين بارد داخلها يمزق نياط قلبها ببطء قاتل ولكنها لا تملك حق الإفصاح عن هذا القلق.. لا تملك سوى أن تدفنه داخلها ويظل ينهش في جدران صمتها.
نطقت مقترحة فكرة لم تكن مفعمة بالذكاء
طب ما تبلغ عنهم وخلاص والبوليس يروح يمسكهم متلبسين.
أخذ يشرح لها عمر بأسلوب عملي بحت
اولا كل الناس اللي بتشارك في الحاجات القذرة دي ليهم نفوذ وواصلين وثانيا أكيد عاملين احتياطهم عشان لو أي حد جه فجأة ثالثا البوليس مايقدرش يقتحم المكان من غير دليل او اذن نيابة.
هزت نوسين رأسها بيأس مرددة بحروف غلب عليها المرح الذي تخفى خلفه قلقها
محامي محامي يعني مش أي كلام.
جاء الليل وكم تمنت نوسين أن تمنع الشمس هيمنته على الأجواء وألا يأتي!
رغم رغبتها في التخلص من هؤلاء الناس والعودة لحياتها بشكل طبيعي إلا أن رغبتها في عدم اصابة عمر بأي خدش تفوقها بمراحل..
كان كلا من نوسين و حوده في انتظار عمر الذي ارتدى الزي الرسمي للعاملين في ذلك المكان ودلف مع حازم للداخل..
ونوسين تناشد الله في سرها ألا يحدث أي مكروه له وأن يسير كل شيء على ما يرام..
بينما في الداخل كان كل شيء يسير وفقا للخطة المحكمة التي أعدها عمر مع حازم وبالفعل إلتقط عمر عدة صور ومقاطع مصورة لجميع الحاضرين في المكان مع حرصه ألا يظهر ذلك لأي شخص وألا يظهر في كاميرات المراقبة أرضا.
وحين أنهى ما أراد تحرك على عجلة من أمره للركن المتفق أن يتقابل فيه مع حازم حتى يسهل عليه الخروج ولكن جاءت اللحظة التي تعجب عمر تأخرها وهي العقبة المتوقعة التي يجب عليه تخطيها فقد أصابته الدهشة من سير كل شيء بشكل جيد بل افضل من الجيد.
أوقفه احد الأشخاص العاملين في المكان بصوت أجش
أنت مين! وإيه اللي جابك هنا
تجمد عمر مكانه للحظات يدرس خطوته التالية ثم استدار نحوه ببطء وبدأ يقترب منه إلى أن عاجله بضربة عنيفة كان المغزى منها أن يفقده الوعي لتسنح له الفرصة بالهرب ولكن الرجل كان أمهر مما توقع واستطاع تفادي ضربة عمر ببراعة بل وفي لحظة غير متوقعة كان يخرج من جيبه سلاح أبيض يحمله بالقرب منه دوما للطوارئ..
وبحركة مباغتة كان يصيب عمر بها في ذراعه فتأوه عمر وهو يشعر بالألم المفرط يشل ذراعه للحظات وقبل أن يكتمل هجوم الرجل عليه مستغلا حالة الضعف التي اعترته نتيجة شعور الألم الذي تدفق بغزارة داخله مسببا له انسياب وضعف عام كان حازم يضرب الرجل على رأسه بعنف من الخلف ناجحا في إفقاده الوعي.
ثم مد يده
خد إلبس الچاكيت دا وخبي جرحك بسرعة يلا قبل ما حد تاني يجي.
اومأ عمر مسرعا وبالفعل كان يتحامل على نفسه مرتديا تلك السترة وبعد قليل نجحا أخيرا في الخروج من براثن ذاك المكان الموحش.
ركبا السيارة وإنطلق حوده بها على الفور فشهقت نوسين بفزع ما أن رأت الجرح في ذراع عمر
يالهوي دراعك حصله إيه
هز رأسه نافيا يحاول طمئنتها
دا جرح بسيط متقلقيش.
نجحا القلق والخوف في هدم جدران صمتها والإنفجار على هيئة حروفها الملتاعة
جرح بسيط إيه أنت مش شايف كمية الدم!
ثم وجهت حديثها لحوده بحزم دون أن تأخذ رأي أيا منهما
خدنا على المستشفى يا حوده.
اعترض عمر مسرعا
لا طبعا مستشفى إيه احنا لازم نشوف دكتور في البيت وخلاص لكن مستشفى يعني سين وجيم ولازم نودي الصور والڤيديوهات دي للبوليس دلوقتي وكمان الراجل دا عايز يطمن على ابنه.
قال اخر كلماته مشيرا برأسه لحازم.. فأومأت نوسين موافقة على مضض وتدخل حوده يخبرهم بجدية وثقة
أنا عندي الدكتور اللي يخلصلنا الحوار وفعلا يا نوسين الجرح شكله مش خطير ان شاء الله.
بعد فترة
كانوا قد انتهوا اخيرا من علاج جرح عمر الذي لم يكن خطير لحسن الحظ ثم توجهوا على الفور للشرطة وتقدموا بالأدلة التي بحوزتهم ثم العودة مع حازم لمنزل حوده ليستعيد طفله مصحوبة باعتذار عمر عما جعله هو وطفله يعيشوه ولكنه كان شر لا بد منه كما يقولون..
واخيرا كانت نوسين تقف مع عمر في مدخل البناية التي تسكن بها وكأنهم عادوا من جديد لنقطة البداية ولكن ما لم تعد ابدا كما كانت هي قلوبهم الغارقة حد النخاع في احاسيس جديدة عليها..
أحست نوسين بقلبها ينخلع رفضا لذلك الفراق المرفوض الذي فرض عليه بموافقة من عقلها لا تدري حتى متى تدخل قلبها في تلك المعادلة ولكنها اكتشفت أنها خسرت سيطرتها عليه وعلى دقاته في خضم ما حدث..
وعمر لم يكن بأفضل حال منها ربما فقط أفضل في جعل مشاعره المنتفضة وقلبه يرتديا ثوب الجمود والصلابة المنسوج بخيوط وفائه لزوجته.
قطعت النوسين الصمت حين أردفت بصوت به بحة حزينة
بما إن دي اخر مرة هنشوف بعض فيها لسه برضو مش واثق فيا عشان تحكيلي إيه اللي خلاك تورط نفسك الورطة دي وتكره حياتك كدا
تنهد عمر بصوت مسموع قبل أن يقرر بهدوء
هاحكيلك.
غاصت ذاكرته في قاع بئر ماضيه المظلم متذكرا ذلك اليوم الذي هدمت فيه حياته وأصبحت مجرد ركام خرج صوته متحشرج مطعون بالألم
عرفت إن مراتي وحبيبتي حامل وكنا خارجين بنتفسح في اليوم دا كإحتفال وطايرين من الفرحة حرفيا قولتلها عدي الناحية التانية للعربية استنيني وأنا هجيب أيس كريم وجاي وياريتني ما قولتلها كدا أنا اتسببت في موتها من غير ما أقصد هي وبتعدي جت عربية سايقها واد صايع سكران ماشي بسرعة مجنونة وخبطها ماتت في ساعتها هي واللي في بطنها.
فرك عيناه وكأنه يحاول منع تلك الدمعة التي تصر على الهرب من عينيه وتابع
سبحان مغير الأحوال من حال لحال حالي وحياتي إتغيرت من واحد طاير من الفرحة وحاسس إنه مالك الدنيا وما فيها لواحد خسر كل حاجة فجأة ومش طايق الدنيا باللي فيها حاولت أجيبلها حقها عشان ترتاح وأنا ارتاح بس الواد كان معاه وسايط ونفوذ وعرف يطلع من القضية زي الشعرة من العجين.
إلتوت شفتاه بسخرية بدت لها أنها لقدره وعجائبه وليست لها حين تشدق
تخيلي أبقى محامي والمفروض بساعد الناس وأجيبلهم حقهم وماعرفش أجيب حق مراتي وأقرب الناس ليا.
أحست بذبذبات صوته تنقل لها الألم الذي يفيض من نبرته فتشاركه إياه ورغبة برقت بغتة داخلها تود لو تحتويه ولتسكت الضجيج الذي بدأ يعلو بعقلها سألته
طب فين أمك وأبوك
زفر بصوت مسموع قبل أن يجيبها بهدوء ونبرة اعتيادية
اتوفوا من زمان من بعد ما اتجوزت بكام شهر تقريبا وابويا مكنش له غير أخت واحدة وعلاقتي مع أهل أمي مش قد كدا.
شعرت بالصدمة تعقد لسانها تماما عاجزة عن نطق المزيد وتسقط في دوامة من الصدمة والاسئلة التي لا قرار لها فلماذا كذبت عليها تلك السيدة وعقدت معها ذاك الاتفاق!
حاول عمر إجبار شفتاه على الابتسام وهو يقول
يلا اطلعي تصبحي على خير عايزه حاجة
هزت رأسها نافية ولكنها كانت الأكثر فشلا حين عجزت عن اصطناع ابتسامة مثله فاكتفت بالتحدث بصوت يكاد يسمع
تسلم يا عمر مع السلامة.
وبالفعل تحرك عمر ليغادر وابتعد قليلا عن باب البناية ولكنه وقف يتنهد وهو يحدق بالبناية بشرود وكأنه يسألها بصمت.. فقط هكذا أ هذا اللقاء الأخير
تفاجأ بعدها بدقيقتين تقريبا نوسين تخرج من البناية وامارات الغضب تعلو فوق وجهها عقد ما بين حاجبيه بتعجب ولم يقدر على السيطرة على فضوله وتوجسه اللذان أجبراه على السير خلفها ومعرفة المكان الذي تذهب إليه..
حتى وجدها توقفت في مكان ما تفرك يديها بتوتر مفرط ويبدو أنها تنتظر شخصا ما
وبالفعل كان ظنه في محل فقد تقدمت نحو سيدة ما دقق النظر في تلك السيدة التي ظهر وجهها وهنا شعر وكأن الأرض تزلزل من أسفله وهو يرى أخر وجه توقع رؤيته..
يتبع
أخذ دقائق قليلة يحاول فيها إصدار أي رد فعل كالتحرك ومحاولة الانسجام مع قنبلة الصدمة المدوية التي وضعت بغتة بين ثناياه شاعرا أنها ستنفجر في أي لحظة ممزقة إياه ومن حوله لأشلاء!
إلى أن استجابت أقدامه أخيرا لوجوب تحركه وتوجه صوبهما فاخترق سمعه صوت نوسين المنتفض بغضب بدا أنها تحاول السيطرة عليه
أنتي كدا كذبتي عليا وأنا وثقت فيكي.
ما أن رآوا عمر أمامهما حتى تجمدت كلتيهما من وقع المفاجأة عليهما هتف عمر يسأل نوسين مشيرا بيده لتلك السيدة
أنتي بتعملي إيه مع الست دي!
أغمضت السيدة عينيها لاعنة الحظ التي أوقعهما في الشباك هكذا فيما كانت نوسين تحاول لملمة شتات حروفها المبعثرة كخلاياها
عمر أنا آآ.
قاطعها مكررا سؤاله ولكن بحروف أكثر اهتياجا وصوت أعلى وكأن عقله ما عاد يقبل سوى تلك الاجابة
أنتي بتعملي إيه مع الست دي وتعرفيها منين
أنا آآ عارفاها عارفاها من زمان من الورشة.
نجحت في اخراج اجابتها التي كانت متلعثمة بتوتر جلي ولكنها كانت تعلم أنها مجرد باب فتح لاجابات اخرى كثيرة.
هتافه صار صراخ عال ينذر ببركان ثائر اوشك على الفوران
عارفاها وعارفة اللي عملته فيا أنا ومراتي كنتي بتمثلي عليا وبتخدعيني كل دا
هزت رأسها نافية بسرعة كمن لدغها ثعبان ثم نظرت نحو السيدة تتوسلها التدخل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من صورتها التي تشعر بها صارت مشوهه في عيني عمر
لا والله ما أعرف هي عملت إيه قوليله أنتي هو أنا كنت أعرف!
هزت الاخرى رأسها نافية وأجابت متنهدة بصدق وضيق
لا ماكانتش تعرف فعلا أنا آآ
قاطعها عمر مزمجرا في وجهها بتوحش وإنتفضت اوداجه وكأن صوتها و رؤيتها ييقظا أعتى شياطينه من قاع الجحيم
أنتي بالذات تسكتي خالص مش عايز أسمع صوتك أنتي أخر واحدة ممكن أخد بشهادتها أو أصدقها في حاجة أنتي مش انسانة أصلا أنتي واحدة شهدت شهادة زور وتجاوزت عن قتل واحدة حامل بريئة عشان ابنها الصايع الخمورجي.
إتسعت عينا نوسين وآنست توقف قلبها الوشيك من الصدمات المتتالية وهي تدرك أن تلك السيدة لم تكن سوى والدة ذاك الشاب الفاسق الذي أنهى حياة زوجته وابنه وحياته ايضا !
فيما استدارت الاخرى لتغادر دون أن تنبت ببنس شفة بعد أن تلقت طعنات في كرامتها وكبريائها ولكنها تعلم أنها لا تزن شيئا أمام ما تلقاه عمر من قهر ووجع.
شعرت نوسين بالشارع يضيق عليها أمام عمر الذي أحسته في تلك اللحظات كوحش ضاري خاصة حين صدح صوته كهسيس خافت مخيف
ازاي كنت مخدوع فيكي كل دا ومفكر إنك ساذجة وبريئة وعفوية أتاري مفيش حد ساذج غيري.
هزت رأسها نافية وراحت تجاهد لإقناعه رغم يقينها بفشلها مقدما
لا يا عمر أنت ظالمني والله العظيم ما كنت أعرف إنها أم الزفت دا هي قالتي إنها أمك أنت.
ضحكة سوداء فارغة كانت تغادر فمه مع قوله الحاد الساخر
لا والله! قالتلك إنها أمي وأنتي صدقتيها عادي كدا حد قالك إني مختوم على قفايا!
أردفت نوسين بكلمات متحشرجة انتشلتها من خضم ذكرياتها
والله العظيم صدقتها لأني كنت عارفاها من سنتين فكنت واثقة فيها وبعدين كنت بقول لنفسي هي هتكذب ليه وهتستفاد إيه
صرخ فيها بانفعال مفرط
هتستفاد إنها تخليكي تعملي اللي هي عايزاه وتخدعي المغفل اللي صدقك ودخلك حياته عادي كدا.
هي ماكانتش عايزه حاجة تأذيك ابدا وأنا أصلا عمري ما كنت هرضى أعمل أي حاجة تأذيك ولو بنسبة واحد في المية هي كل اللي كانت عايزاه إني أدخل حياتك أساعدك تتخطى اللي حصلك وأرجعك تحب الحياة تاني لإنك اتأذيت نفسيا بسببها لما سابتك وأنت صغير واختفت من حياتك وأنت محتاجها بس غصب عنها وإنها ضميرها معذبها ونفسها ضميرها يرتاح ومش عارفة تساعدك ازاي غير كدا.
أخبرته
فيلم هندي قديم وبايخ كمان.
استنجدت بالمنطق لإختراق صلادة عقله حين استطردت
طب فكر كدا من ساعة ما عرفت هل عملت أي حاجة تحسسك إني عايزة أوصل لأي حاجة تاني غير اللي قولتها او عايزة أأذيك أنا ماعملتش أي حاجة والله غير إني كنت بحاول أساعدك.
أخطرها بصوت إنخفض قليلا عن صوته العالي السابق ولكنه كان حاد وقاسي بنفس القدر المؤلم
اللي أنتي عملتيه وبتحاولي توصليهولي إنه خير ف أحب أقولك لأ دا مش خير دا سذاجة الخير اللي يجي بالكذب والخداع مايبقاش خير.
أقرت بالحقيقة التي يرفض الإعتراف بها
أنا اتخدعت زيي زيك.
فكاد يقنعها هو حين تلفظ بصوت أجش
حتى لو ماكنتيش تعرفي ف أنتي شريكة فيه.
كررت من جديد سؤالها المستنكر مدافعة عن نفسها
أنا ما أذيتكش قولي حاجة أنا أذيتك فيها.
ردد بنبرة مغلقة
أذيتيني لما كذبتي عليا ولعبتي بيا ايا كانت الاسباب.
تكلمت بصوت أبرز الإرهاق الذي أصاب روحها الملكومة من كل الجهات
تاني هقولهالك هي خدعتني وأنا اتعاطفت معاها.
أمشي.
نطقها بصوت خافت جامد راغبا في إنهاء كل شيء هذه اللحظة فتابعت نوسين
عمر أنت لازم تسمعني وتفهمني آآ
قاطعها حين جذبها بغتة من ذراعيها ضاغطا عليهما بقوة هادرا في وجهها بزئير عالي شابه الإعصار جعلها تنكمش أمامه كورقة في مهب ذلك الإعصار
مش عايز أسمع ولا أفهم حاجة كل اللي فاهمه إنك واحدة مش سالكة وبتكذبي بسهولة ومش عايز أشوف وش واحدة زيك تاني.
ثم تركها نافضا إياها بعيدا عنه كما لفظها من حياته للتو واستدار ليغادر دون اضافة المزيد تاركا إياها تقف مكانها كالشريدة ودموعها تتسرب ببطء من وجنتيها تعاني بشاعة النبذ والخذلان من جميع المحيطين بها.
بعد مرور يومين
نوسين التي ظنت أن حياتها ستعود كما كانت رتيبة ولكنها مغمورة بالرضا والسلام النفسي وجدت نفسها فجأة تتلظى على جمر تأنيب الضمير اللاسع ولا زالت كلمات عمر التي حكت عن بشاعة فجوة الصدمة والخداع داخله تتردد بأذنيها لا تدري تأنيب الضمير ذاك انساني فقط ام أن قلبها هو من يضفي هذا الشعور بالعذاب المهلك لروحها..
قامت لتدور حول نفسها في الغرفة وعقلها يدور في فلك سؤال واحد ماذا عساها تفعل لتخفف من ثقل ما حدث أو بمعنى أصح لتنل غفرانه الذي تعلم أنها بينها وبينه أميال كثيرة..
وبالنسبة لعقل متهور كعقلها لم تقفز فيه سوى فكرة متهورة مثله ألا وهي الذهاب له في عقر داره وانتشال غفرانه بطريقتها !
نهضت بالفعل وبدأت تعد أطباق من الارز باللبن بمهارة لتأخذها معها له ثم ارتدت ملابسها على عجلة من أمرها وخرجت من منزلها وهي تتصل بتلك السيدة نوران التي كانت أصل كل شيء وسببه فأتاها صوتها بهدوء
ايوه يا نوسين.
قالت مباشرة دون التطرق لإلقاء التحية حتى
عايزه عنوان بيت عمر.
حاضر هبعتهولك في رسالة دلوقتي.
اومأت نوسين برأسها وكأنها تراها ثم تمتمت
تمام مع السلامة.
لم تنطق حتى بكلمة شكر لأنها ببساطة تشعر أن هذا حق مفروض عليها خاصة بعد ما فعلته.
بينما على الطرف الاخر كان عمر يعاني من تشتت تام.. ممزق ما بين عقله الصلد الذي يرفض العفو عن كذبها بمحض ارادتها مبددا تماما الثقة فيها وشيء اخر ينهره على رد المعروف لها بهذه الطريقة القاسية!
ولكن كيف له أن يمرر لها تلاعبها به كل هذه الفترة مرور الكرام وكيف له أن يرمم الصدع الذي أصاب ثقته التي بنتها الأيام بينهما وأن يدرأ عنه شعور الخذلان الذي ينهش دواخله ويصيبه بألم مفرط.
وصلت بعد قليل لمنزل عمر الذي لم يكن بعيد كثيرا عن منزلها بدأت تطرق باب المنزل بهدوء فمرت دقيقة تقريبا قبل أن يفتح عمر الباب معلنا عن وجه نوسين المبتسم رغم الجزع الذي يشوبه والذي أحس لجزء من الثانية أنه افتقد رؤيته وهذا طبيعي بسبب الاعتياد.. أليس كذلك
تجاهل ما يدور بخلده وهو يسألها بفظاظة
إيه اللي جابك هنا
بهتت من هجومه السريع الذي شنه عليها ولكنها لم تتراجع بل أصرت على التقدم حين قالت بابتسامة شقية ذكرته بنوسين السابقة التي لم تخدعه
جبتلك رز بلبن قولت أنت أكيد ماعطفتش على معدتك بأكل عدل وأنت لوحدك.
للحظة إهتزت ذاكرته بذاك الحلم الملبد بعواطف لم ولن يعترف بها ولكنه حجم سيطرته على ذاكرته بقوة يحسد عليها ثم تفوه بصوت مقتضب كملامحه في تلك اللحظات
مش عايز منك حاجة.
ضيقت عينيها وما بين حاجبيها كقطة وديعة وهي تغمغم بخفوت
عمر لو سمحت.
نهرها بحدة خفيضة مراعيا ألا يصل صوته للجيران حولهما
لو سمحت إيه ماتطلبيش مني حاجة فوق طاقتي أنتي ماعملتيهاش أصلا تقدري تقوليلي إيه شعورك لما عرفتي إن هي كانت بتكذب عليكي زي ما بتقولي ولعبت بيكي
نكست رأسها أرضا وهي تخرج حروفها مجبرة باجابة خذلتها فخرجت لتكون في الصف المعادي لها
إتعصبت منها وحسيت إني مش عايزه أكلمها تاني.
أضاف بابتسامة صلفة
وهو دا بالظبط اللي عملته واللي أنتي بتلوميني عليه.
نفت برأسها محاولة إقناعه
أنا مش بلومك على كدا أنا بس عايزاك تبقى أحسن مني وتفوتلي الغلطة دي وتقدر إن نيتي كانت خير.
لمحت الرفض وعدم الاقتناع يلوحا لها من قمم عينيه فواصلت مسرعة تحاول الضغط على وتر ضميره
على الأقل عشان أقدر أسامح نفسي أنا وأرتاح من تأنيب الضمير اللي بقيت عايشة فيه.
سرد لها الواقع الذي تعلمه أصلا بلهجة دبلوماسية لم تتوقع أنها سيكون لها هذا الوقع المؤلم على قلبها
لو كدا ف ريحي ضميرك خلاص حصل خير كدا كدا أحنا مش هنشوف بعض تاني.
أحست بالفشل التام وأن أي محاولة اخرى ستكون إهدار لكرامتها التي لن تقبل المساس بها رغم كل شيء فتراجعت خطوتين مهمهمة بأمل في الأيام علها تصلح ما أفسدته هي دون عمد
ماشي يا عمر اللي تشوفه.
ثم استدارت وغادرت جارة اذيال الخيبة خلفها تحت أنظار عمر الذي على صوت رقيق داخله معلنا سعادته لمحاولتها في استرضاؤه ولكنه سرعان ما إضمحل ذلك الصوت بغلظة صوت أفكاره العنيدة.
بعد يومين آخرين
كانت نوسين ممدة على الفراش تريح جسدها بعد ارهاق العمل طوال اليوم لتعويض غيابها السابق إلى أن قطع قيلولتها صوت طرقات حادة نوعا ما على الباب نهضت تعدل من ملابسها وهي ترد بصوت متعجب هادئ
ايوه جايه ثواني.
ثم فتحت الباب لتتفاجأ بأخر شخص توقعت أن يأتي لزيارتها ليس بعد كل هذا الانقطاع!
لم يكن ذلك الشخص سوى عمها الفظ غليظ القلب والذي لطالما كان خيط الود بين قلبيهما مقطوع..
صدح صوته الأجش قاطعا حبل أفكارها
إيه مش هتقوليلي اتفضل ولا إيه يا بنت اخويا
للحظة ترددت ولكنها لم تكن تملك خيار الرفض اصلا لذا أفسحت له الطريق على مضض وقالت مرحبة
لا ازاي اتفضل طبعا يا عمي.
دخل يتبختر في مشيته وعيناه تتولى مهمة تفحص كل إنش من ذلك المنزل الصغير الذي لم يزره منذ وقت طويل ثم جلس على الكرسي الموضوع في جانب صالة المنزل فقاطعت نوسين وصلة تأمله حين أردفت
ازيك يا عمو عامل إيه ومرات عمي وعيالك كله تمام
اومأ برأسه مؤكدا بهدوء
الحمدلله كلهم كويسين.
يارب دايما بخير.
تمتمت بها نوسين وداخلها يتساءل في توجس عن سبب هذه الزيارة المفاجئة ولكنها لم تفشي سؤالها الداخلي منتظرة مبدارته هو التي كانت متأكدة أنها لن تتأخر!
وبالفعل أجلى عمها صوته وهو يقول
بصي يا نوسين أنتي أكيد عارفة إن أبوكي الله يرحمه قبل ما يموت كان مديون ليا بعشر الاف جنية.
تجمدت لوهله والصدمة تصفعها قبل أن تنفي بصدق
لا ماكنتش أعرف.
ولكنها لن تكذبه بالطبع ليس بعد أن اكتشفت سابقا أن والدها كان مديون لأناس آخرين ايضا وهربت من براثنهم بصعوبة فلا تستبعد أن يكون عمها أولهم.
تابع بجدية
أنا لولا ما محتاجهم دلوقتي ماكنتش جيت قولتلك عليهم.
هزت رأسها متفهمة وتشدقت ببساطة
أنا فاهمة بس أنا طبعا مش معايا العشر الاف يا عمي اديك شايف أنا مش قاعدة في ڤيلا في التجمع الخامس يعني.
قالت اخر كلماتها مشيرة بيدها للمنزل الصغير الذي به أثاث شبه متهالك فبدأ الاخر يكشر عن أنيابه متلفظا بجمود
وأنا أعمل إيه يعني! ما تتصرفي ما أنتي بتشتغلي في الورشة.
إلتوت شفتاها بابتسامة ساخرة بمرارة
الورشة أساسا مديونة يا عمي.
صاح فيها بانفعال بدأ يطرق أبوابه
وأنا مالي هو أنا هجوع عيالي وأحرمهم عشان غيرهم يستريح.
هنا شعرت باليتم يعود ليغزو أطرافها بقوة مرسلا لها مرارة جعلت جوفها يتلوى ببكاء مكتوم بصعوبة وهي ترد
لا طبعا تجوعني أنا بس أحب أطمنك إن أنا أصلا محرومة مش عايشة عيشة مرفهة.
نهض من جلسته وهدر بصرامة قاسية خالية كل الخلو من الشفقة الإنسانية
مايخصنيش فلوسي تبقى جاهزة خلال اسبوعين استلفيهم بيعي أي حاجة اتصرفي مليش فيه.
نهضت نوسين هي الاخرى وقد عاودها
وأنا كمان مليش فيه أنا ما أخدتش منك أي فلوس روح خدهم منه في القبر بقا.
لم تحسب حساب الصفعة التي هوت على وجهها بعنف جعلتها ترتد خطوتان للخلف ساقطة على الأريكة الصغيرة تشهق بألم وصدمة!
ثم زمجرته بحروف نارية ضارية
أنتي بتقوليلي أنا الكلام دا يا بنت ال دا أنا هاخدهم من عنيكي.
صرخت بقهر فيه
وأنا مش هاديك حاجة وأعلى ما في
متابعة القراءة