رواية نوسين جميع الفصول كاملة عمر ونوسين بقلم رحمة سيد
المحتويات
الهادئ موجها حديثه ل ثريا
أنا جيت النهارده عشان أطلب آآ.
قاطعته ثريا حين خفضت رأسها ارضا من جديد وتفوهت بحرج
لا لا ماتتكلمش معايا أنا أهلي وعزوتي أهم قاعدين بنت أختي وجوزها وفوزية زي أختي بالظبط.
نظرت نوسين صوب عمر محركة شفتاها بصوت يكاد يسمع وهي تضرب على صدرها برفق في زهو
تربيتي.
ثم تنحنحت وتشبثت بقناع الجدية وهي تحثه على المتابعة
اتفضل يا استاذ ممدوح سمعاك.
كرر ممدوح كلماته متمما إياها
أنا جيت عشان أطلب إيد مدام ثريا.
أدت نوسين دورها على أكمل وجه حين تكلمت
والله يا ولاد انتوا فاجئتوني بس انتوا عارفين إن مفيش احسن من توفيق راسين في الحلال.
ثم هزت رأسها وأكملت بترفع به لمحة شقاوة
ف سيبلنا وقت نفكر ونرد عليك يا استاذ ممدوح بس طبعا مش هنلاقي حد أحسن منك لبنتنا.
هنا تدخلت فوزية بابتسامة منشكحة
وأنا رأيي من رأي برقوقة.
كزت نوسين على أسنانها بغضب داخلي ثم جمجمت لنفسها بحروف ملكومة بالكيد
والله لولا إنك ست كبيرة بس الله يسامحك يا خالتي.
في تلك الاثناء كان حديث داخلي من نوع اخر يدور بعقل عمر الذي كان يتابعهم بصمت والابتسامة تصر على التعلق بثغره رغم المرارة التي لازالت عالقة بجوفه فمن كان يصدق أنه سيتحول وضعه من شخص على حافة الانتحار لشخص يقبع وسط جلسة عائلية بنكهة كوميدية مرحة تجبر شفتاك على الخضوع لابتسامة حقيقية.
بعد فترة
خرجت نوسين من المطبخ وكان المرحاض يقع في الردهة التي تسبقه وكانت يداها مبللة فتوجهت نحو علاقة المناشف الموضوعة امام المرحاض وبدأت تجفف يداها وقميص عمر الذي تركه حتى ينهي اغتساله يقبع جوار المنشفة اصطدمت يداها بالقميص بطريقة عارضة وهي تضع المنشفة فسقط القميص على الأرض وسقطت منه محفظة نقود عمر كاشفة عن جزء من محتواها..
إنحنت نوسين لترفع القميص من جديد ثم أمسكت بالمحفظة والصورة التي سقطت منها لتجدها صورة لشابة جميلة في مقتبل عمرها لم تمنع نفسها من تفحصها بشرود وهي تتساءل عن ماهيتها وعن مدى أهميتها ليحتفظ عمر بصورتها معه دائما !
فتح عمر الباب دون مقدمات فوقع بصره على نوسين التي تمسك بمحفظة نقوده في يد والصورة في اليد الاخرى فتوسعت عيناه بصدمة ثم انتشلهما من بين يديها بعنف مزمجرا فيها بنبرة متوحشة
أنتي بتعملي إيه!
اربكتها المفاجأة ونجحت في سد بؤرة الردود داخلها فبدأت تحاول تجميع شتات حروفها لتكوين اجابة مقنعة
أنا آآ كنت آآ
ولكنه لم يمهلها الفرصة التي كانت فاشلة من الأساس بل تابع بزئير شرس وكأنها أخرجت الوحش الساكن داخله من مكمنه
أنتي مين سمحلك إنك تفتشي في حاجة تخصني
هزت رأسها نافية بسرعة تحاول نفي تلك التهمة عنها
لا طبعا أنا مافتشتش في حاجة.
فهز عمر رأسه باستهانة مشيرا بعينيه نحو يدها ساخرا منها
اه ماهو واضح وإيدك تشهد عليكي.
توقد احشائها بلظى الظلم دفع حروفها المتلكئة دفعا فإندفعت بحدة
مش من حقك تتهمني لمجرد إنك شوفتها في إيدي ما يمكن وقعت من غير قصد وأنا كنت بجيبها من الأرض.
وبالطبع لم يصدقها بل واصل شن هجومه المتهكم عليها
اوووه إيه الصدفة الجريحة دي يعني مش فضولك مثلا اللي خلاكي تفتحيها وتشوفي.
فسر لها عقلها حديثه باحتمالية ظنه أنها تهتم به شخصيا لذا تكلمت بغلاظة
أنت أخر واحد في الدنيا ممكن فضولي ياخدني إني أعرف عنه حاجة.
ولم تعطه حقه الرد بل انتقلت دفة الهجوم إليها وهي تهدر فيه بحنق
وبعدين أنا اللي مفروض أشك فيك مش العكس خالص!
فعلا! دا على أساس إن أنا اللي اقتحمت حياتك زي اعصار الستة ريختر وصحيتي لاقيتي نفسك في بيتي
إنكمشت ملامحها وإرتفعت امارات الغضب عليها وهي تردف بندم واهتياج
منا لو أعرف إنك هترد جميلي بالطريقة دي كنت سيبتك يكسروا مخك المضلم دا مش مناخيرك بس.
اقترب منها عدة خطوات وعيناه تتواصل بصريا مع فاهها بنظرة أشعرتها أنه يود قتلها وتمزيق لسانها بينما يواصل من بين أسنانه
أنتي إيه أنتي إيه بجد لسانك دا إيه مبرد! مابيقفش خالص.
رغم تراجعها التلقائي إلا أنها انبأته بشجاعة تحسب لها
وقف كتير وسكت على ظلم كتير بس خلاص بقا كفاية.
رفع حاجباه معا غير مصدقا يتلفظ بسخرية تجلت بين حروفه كعين الشمس
سكت على ظلم استحلفك بالله لتقولي مين الجاحد اللي قدر يظلمك دا عايز أعبرله عن شكري وامتناني.
اجابتها التالية كانت مقتضبة ولكن المشاعر المكبوتة بين خلاياها كانت جمة بعد أن حشدهم الأسى في كلمة واحدة
الزمن.
لوهله لم ينطق وهو يستشعر مدى صدق الاجابة الباهتة التي توحي بماضي كريه ولكنه لم يتراجع عن تهديدها علنا بصوت أجش
صدقيني لو تعديتي حدودك معايا واقتحمتي خصوصيتي مرة تانية كدا هتشوفي الظلم اللي بجد.
ناطحته بعناد صلب
مابجيش بالتهديد على فكره.
امال بتيجي بإيه ها
سألها بخفوت شبه حاد وهذه المرة اقترب اكثر من سابقتها بل اكثر من اللازم حتى أوشك على محو مسافة الأمان بينهما فأطبق قربه على دقات قلبها المسكينة يخنقها حتى فقدت اتزانها وتثاقلت أنفاسها بينما تتراجع للخلف كلما اقترب اكثر..
حتى أوشكت على الاصطدام بعلاقة المناشف خلفها والتي كانت مربوطة أطرافها بسلك رفيع حاد بارز ودون تركيز منها كادت تلتصق به وينغرز في ظهرها..
ولكن قبل أن يحدث وضع عمر يده خلف ظهرها تحديدا بينها وبين العلاقة ليمنع اصطدامها بها بحركة تلقائية لم يفكر فيها فأصبح الوضع كارثي أكثر..
فقد أصبحت نوسين شبه ملتصقة بصدره وذراعه يحيط بها ارتعشت في استجابة فطرية واحتكاكهما البسيط أجج بقلبها شعور لحظي غريب لم يباغتها سابقا رغم سنوات عمرها الستة والعشرون شعور لاهب كألسنة النيران إن استمر ستذوب فيه ك شمعة رقيقة..
ببنما عمر ما أن استشعر ملمس جسدها الغض حتى أحس وكأن ماس كهربائي سار أسفل جلده حارقا إياه بقسوة الادراك
فانتفض مبتعدا عنها على الفور وهو يتمتم بخشونة
مش تاخدي بالك من اللي وراكي!
هزت نوسين رأسها ورغم أن الكلمات كانت حاضرة داخل عقلها إلا أنها كانت مترنحة إثر اللحظات السابقة فلم تخرج للنور..
فاستدار عمر عنها وكاد يخرج ليجد أمامه خالتها تنقل نظراتها بينهما ثم سألت
في إيه
هزت نوسين رأسها نافية وردت بصوت به بحة خفيفة
مفيش يا خالتي.
نظرت ثريا نحو الصورة التي لا زال عمر ممسكا بها فإلتقطتها من بين أصابعه بخفة ودون اذن وتفحصتها وهي تسأله بفضول بزغ بحدقتيها
مين دي
كادت نوسين تصفق لها بحماس على جرأتها التي لم تتحل هي بها لتسأله عمن تكون ولكن التهليل الداخلي تحول لطنين قاسي سببه رده التالي الجاف
مراتي.
ثم انتشل الصورة من بين يديها بهدوء وغادر وكأنه لم يفجر قنبلة مدوية للتو !
نظرت ثريا نحو نوسين والسؤال يبرق بعينيها بقوة ولكن قبل أن يتولى لسانها مهمة تجسيده كانت نوسين توضح بربكة خفية
يقصد اللي كانت مراته يعني.
لم تهدأ ثريا بل تابعت استجوابها
أنتي اتجوزتي واحد كان متجوز قبل كدا
اومأت برأسها مؤكدة بلامبالاة
اه عادي يعني يا خالتي ماهو أنا كبيرة برضو مش صغيرة مش دا رأي كل الناس!
ابتلعت صدمتها السابقة على مضض ولكنها بدأت تلومها على غباءها البين
طب هنعديها دي ازاي بقا جوزك يبقى لسه شايل صورة مراته القديمة معاه طالما لسه معاه يبقى أكيد لسه جواه حاجة ناحيتها يا غبية.
ألا تعلم فما رأوه لا يحتاج للكثير من التفكير لإدراك ذلك ولكنها الان في مهمة أصعب تشغل بالها.. مهمة تفسير ذلك الوخز الرقيق بالضيق داخلها !
أضافت خالتها بصوت خفيض وكأنها تخبرها بمكان كنز ثمين
يا عبيطة عشان تحافظي على جوزك وتخلقي مكان ليكي في قلبه لازم تعملي اللي هقولك عليه.
سألتها نوسين دون فهم
اللي هو إيه
اقتربت اكثر من اذنها وبدأت تهمس لها بنصائح جعلت وجنتا نوسين تتخضب وعيناها تتوسعان ببطء مصدوم..!
بعد فترة
توجهت نوسين للغرفة التي خصصتها خالتها لهما باعتبارهما زوج و زوجة وكان عمر بها ولكنها لم تطرق الباب عمدا بل دلفت ببطء وبرود ثم جلست على الفراش تضع قدم فوق الاخرى وهي تخبره بصلافة
كرما مني بس هسيبك تنام هنا النهارده عشان خالتي ماتشكش وهروح أنام أنا معاها لكن من بكره هتطلع تنام في الاوضة اللي في السطوح وتتحجج بإنك لاقيت هنا شغل جديد مؤقت والشيفت بتاعك بليل.
لم يتكلم عمر ولكن عيناه تعلقت بحركة قدميها واهتاجت امواجه الزرقاء بغضب بسبب حركتها ولكنها كانت تملك نصيبا لا بأس به من العناد الذي جعلها تتجاهل نظرته..
فتحرك ليجلس جوارها ثم قال بسخرية تخفي بين طياتها حفيف الغضب
اي اوامر تانية سيادتك
هزت رأسها نافية بنفس البرود
لأ لما يبقى في هقولك.
اقترب بوجهه من وجهها قليلا حتى أحست بهدير أنفاسه الغاضبة كحاله وهو يستطرد بخشونة
لما تقعدي قصاد حد أكبر منك اتعلمي تحترميه وماتحطيش رجل على رجل كدا.
سألته بشيء من الاستهزاء
وأنت عرفت منين إنك أكبر مني مش يمكن أنا الأكبر
وقبل أن يرد قاطعته بنفس النبرة المستفزة التي بدأت تتفجر قشورها الظاهرية لتبرز ما أسفلها من غيظ مغلول
أنا
ثم اعتدلت بجلستها واستأنفت عاقدة ما بين حاجبيها
وازاي ماتقوليش إنك متجوز وفين أساسا مراتك دي!
زرقاوتاه بدت في اللحظات التالية كبحر شديد الظلمة لم تشرق الشمس فوقه يوما فأحست نوسين أن السؤال لامس وترا حساسا داخله خاصة حين لبى استفسارها بنبرة خشنة عميقة وفارغة
دي حاجة ماتخصكيش ياريت ماتتقمصيش دور الزوجة وتكدبي الكدبة وتصدقيها حاولي تتحكمي في فضولك شوية لأني مش مجبر أحكيلك حاجات خاصة.
تنهدت نوسين بضيق ثم ماطلته بملل
على الأقل لازم نكون عارفين عن بعض المعلومات السطحية العادية عشان الموقف اللي حصل من شوية مايتكررش.
اسمي عمر محمد عبد الحميد عندي ٣٢ سنة كنت شغال محامي اتخرجت من جامعة حلوان.
ردد بنفاذ صبر وكأنه يؤدي مهمة واجبة عليه فأومأت نوسين برأسها ولم تعلق ليرمقها بنظرات مستنكرة وفي فحواها استفسار عنها
وحضرتك مش ناوية تقولي
بابتسامة سمجة منتصرة لأنه وقع في فخها ببساطة تشدقت بنفس كلماته السابقة
حاول تتحكم في فضولك شوية لأني مش مجبرة أحكيلك حاجات خاصة.
أغمض عيناه بنفاذ صبر ثم نهض وكاد يخرج من الغرفة لولا أن اوقفته بقولها الذي منت عليه به
اسمي نوسين عبد الرحمن مجاهد عندي ٢٦ سنة مكملتش تعليم بعد الثانوية عامة وكنت شغالة في ورشة.
عقد ما بين حاجبيه متسائلا
ورشة إيه
ردت ببساطة
ورشة ميكانيكة صنعة إتعلمتها من أبويا الله يرحمه.
ثم نهضت وهي تلوح له بيدها مرددة بمرح
يلا سلاموز.
شيعها بنظرات حملت إعجابا ببساطتها تسلل له ليتوهج بظلمة عينيه متخطيا حاجز الجمود لأول مرة ولكنها لم تلحظه قبل أن ينقشع ويسيطر الظلام المتبلد على نظراته من جديد..
قفزت نوسين على الفراش الذي تنام عليه خالتها فشهقت خالتها بفزع وهي تصيح فيها
إيه في إيه زلزال ولا إيه.
وهي تدندن بمرح
إديني حنان من اللي أنا مش حاسه بقالي زمان.
هدرت فيها بانفعال مغتاظ
دا أنا هاديكي قلمين على وشك في إيه يا بت يا مسخوطة أنتي مش هتعقلي ابدا.
ضيقت نوسين عيناها وهي تغمغم بوداعة تراجيدية
أنا مسخوطة! دا أنا برقوقة حبيبتك يا خالتي.
تأتأت ثريا وراحت تهتف بضيق زاجرة إياها
أنا عايزه أنام يا برقوقة روحي لجوزك يديكي الحنان.
أصرت بابتسامة شقية
لأ ما أنا هنام معاكي النهارده وأنتي هتديني الحنان يا نبع الحنان.
يابت أنتي هتفضلي خايبة لحد امتى هو دا اللي وصيتك بيه
تشبثت نوسين بها وهي تهاودها
خلينا ننام بس دلوقتي ومن بكره هركز على اللي وصتيني بيه جامد أوي.
وبالفعل غطت خالتها بالنوم الذي كان يسيطر عليها فيما بقيت نوسين مستيقظة والنوم يجافيها بينما الأفكار تتلاعب بعقلها وتشرد في التحول الذي أصاب هيكل حياتها لتضحي على النقيض لما كانت عليه تماما.
نهضت من الفراش ووقفت جوار الشرفة تطلق بصرها على اللاشيء وتشرد فيه إلى أن لمحت بعد قليل عدد من الرجال متجمعين سويا ويبدو أنهم يبحثون عن منزل معين ويشيرون بأصابعهم نحو البناية التي يقطنون بها..
فاستقامت في وقفتها وإتسعت حدقتاها وعلت الإنذارات بعقلها وكأنه اصبح يخشى أي تجمع رجالي هل هم نفس الرجال الذين يبحثون عنهم
ظلت تراقبهم لتتأكد من شكوكها فوجدتهم يدخلون لمدخل البناية بالفعل..
حينها هبت راكضة بفزع نحو الغرفة التي ينام بها عمر و.
يتبع
إنقضت عليه بينما يغط في سبات عميق تهزه مسرعة بهلع وهي تناديه في إلحاح وكلمات مبعثرة كحالها
عمر عمر قووووم يخربيتك جايب راحة البال دي منين قووووم.
إنتفض عمر من غفوته بسبب مباغتتها
ظل صدرها يعلو وينخفض بينما تلتقط أنفاسها بصوت مسموع غير قادرة على قطع التواصل البصري غير المشروط بينهما..
وعمر للمرة الاولى تسنح له الفرصة لتأمل ملامحها الأنثوية التي تحمل جمال شرقي هادئ برقة ساحرة وبشرتها كانت بيضاء تميل للون القمحي ولكنها كانت صغيرة رقيقة تليق بعينيها البندقية التي تشابه عينا القطط مع رموشها الطويلة التي تهتز
عمر!
كالعادة ابتعد كالملسوع بعد أن من عليه الاستيعاب متأخرا ثم زجرها بصوت خشن لا تدري بسبب تأثره ام النوم
في حد يصحي حد بالطريقة دي!
إتسعت عيناها وقد تذكرت بعد دقائق من التيه السبب الذي جعلها تيقظه فنهضت مسرعة تصيح بفزع
قوم بسرعة قوم يالهوي.
قلب عينيه ببوادر غضب بدأت تهاجمه كعادته مؤخرا في حضرتها
أنتي حافظة مش فاهمة! منا متنيل قومت اهوه في إيه
في مصيبة في كارثة آآ.
قاطعها هادرا
في إيييييه
أخذت تولول بصوت مسموع له فقط
لاقونا وزمانهم بيحاولوا يفتحوا الباب دلوقتي.
سألها وقد بدأ يتنبه
هما مين
نهرته في انزعاج ساخر
لا مش وقت ذكاء دلوقتي الله يرضى عنك هيكون مين يعني وزارة التموين عشان خدت ازازة زيت زيادة ما أكيد الناس اللي بيدوروا علينا.
بادلها سخريتها بسخرية مماثلة ولكن يغلب عليها الدهاء
عرفتي منين إنهم هما وماطلعوش لحد دلوقتي ليه مستنينك تديني خبر
هزت كتفاها معا بحنق
وأنا إيش عرفني!
هز رأسه موافقا على مضض وهو يشير لها نحو الخارج
اممم طب اتحركي كدا يلا وأنا طالع وراكي اهوه.
تجمدت مكانها وهي تشعر بخيالها الوردي الوهمي ومعتقداته يصبحا مجرد سراب إنجلى ما أن داهمته كلماته الواقعية القاسية ثم سألته ببلاهه مصدومة
إيه دا ثواني هو مش المفروض تقولي خليكي أنتي هنا وماتتحركيش لحد ما أجيلك شهامة منك وكدا
وكأنه أصر على فصلها تماما عن خيالها الواسع حين استطرد في استهجان
شهامة ماتت محروقة العمر مش بعزقة يا ست برقوقة فوقي.
غمغمت بكلمات مكتومة مقهورة
منك لله أنت والبرقوق في ساعة واحدة حتى أحلامي دمرتها.
سألها مدققا النظر لها وحدسه ينبئه أنها تقصده بغمغمتها غير الواضحة
بتقولي إيه
أجابته بابتسامة لزجة معزولة تماما عن المرح منتمية كل الانتماء للسخرية المريرة
بقول اتأخرنا عليهم مايصحش لازم نروح نعزم عليهم بشوية برقوق ولا حاجة.
خرج كلاهما من الغرفة وأخذ عمر يتفحص الخارج بدقة ولكنه لم يجد أي شيء مريب لذا نظر لنوسين بطرف عينيه نظرة ذات مغزى فأشارت له نحو الأثاث هامسة
ما تشوف يمكن مستخبيين تحت الكنبة ولا في أي حتة.
هو أحنا بندور على جوز فيران! دول بني ادمين.
غمغم بهسيس خافت ولكنه حاد حكى لها عن صبره الذي بدأ ينضب..
ورغم ذلك راح يبحث في كل إنش في الشقة حتى أنه فتح الباب ونظر على السلم عله يرى أي شخص ولكن الفراغ كان النتيجة الوحيدة لبحثه..
عاد لها بنظرات قاتلة أشعرتها أنه سينقض عليها في أي لحظة فسارعت تقول وهي تتراجع مبتعدة عنه
طبعا أنا لو حلفتلك إني شوفتهم طالعين السلم مش هتصدقني.
أنتي عرفتي منين إنهم هما اللي بيدوروا علينا شافوكي او شاوروا عليكي
ودت لو تجيبه بهزة رأس نافية ولكن شعرت بالقلق من عيناه المترصدة وكأنها على أتم الاستعداد للهجوم فبدأت تتلكأ بحروفها التي تحاول ايجاد ثغرة لتنقذها من براثنه
هما آآ شاوروا على العمارة وطلعوا سوا.
قال بصوت هادئ ساخر ولكنه لم يخدعها وقد علمت أنه هدوء ما قبل العاصفة
ف يبقوا جايين لينا أحنا مش ممكن مثلا يكونوا بيدوروا على أي حد تاني أصل احنا قاعدين لوحدنا في البيت دا صح
هزت كتفاها معا وهي تردف وكأنه شيء بديهي
أصل مفيش ناس عادية هيدوروا على حد الساعة واحدة بليل.
أغمض عمر عيناه وهو يتنفس بصوت مسموع يحاول شد لجام شياطين الغضب التي تتقافز امامه إلى أن سمعها تهمهم بتوجس
إيه إيه مالك هما رجعولك ولا إيه!
فتح عيناه ليسألها دون فهم
هما مين
ردت ببراءة
الخبث والخبائث.
استغفر الله العظيم ياارب.
فهزت رأسها وهي تتلفظ بلهجة صبيانية مشاكسة
على فكرة أنت المفروض تشكرني عشان بخليك تذكر ربنا كل شوية.
حائر ما بين الضحكة التي تود أن تشق عبوس شفتيه وما بين نفاذ الصبر الذي ينتفض داخله فقال محذرا
ابعدي عني احسنلك عشان فاضلي تكة وهقتلك.
تراجعت خطوة للخلف في توجس مصطنع وهي تردد
وتضيع نفسك ومستقبلك برضو عشان واحدة زيي
تجاهل مرحها التراجيدي وتكتل تركيزه عند نقطة أهم حين هتف بمكر
صحيح ما أنتي طلعتي جبانة وبتخافي اهوه امال كنتي عاملالي سبع رجالة في بعض ليه!
رفعت حاجباها معا بدهشة زائفة
أنا أنت بتكلمني أنا
لا بكلم اللي جمبك.
هزت رأسها وراحت تخبره بمشاكسة لاقت القبول في صدره دون أن ينتبه لها
أصل أنا والخوف مانجتمعش في جملة واحدة اطلاقا.
يا شيخة
تابعت
طبعا امال أنت فاكر إيه كل الحكاية إني خوفت على خالتي وعليك مش أكتر اصل أنا داء المسؤولية عندي رهيب.
إلتوت شفتاه بسخرية فظة
أنتي عندك داء الجنان داء العبط مش داء المسؤولية.
أنبته بصوت أجش يشوبه الحنق الطفولي
عيب كدا بقا دا جزاتي عشان أنا نبيهه!!
نبيهه أنتي نبيهه
عدلت خصلة شعرها بزهو أجادت رسمه وهي تسأله بترفع
عندك شك في كدا دا أنا أمي كانت على طول بتقولي آآ.
وقبل أن تبدأ في ثرثرتها اللانهائية قاطعها
روحي نامي ارجوكي روحي نامي دا نوم الظالم عبادة يا
غادر وهي تراقبه بشفاه ملتوية غير راضية ثم هزت كتفاها وراحت تدندن بنبرة ساخرة شقية
بيعاملني بطيبة واحسااااس.
بعد عدة أيام
مرت الأيام بوتيرة سريعة لم يتوقعها عمر على الإطلاق بعكس أيامه السابقة مؤخرا التي كانت بطيئة تذبحه مع كل ثانية تمر محملة بعبق وذكريات الماضي المرير فقد اعتاد تواجد نوسين وشقاوتها ومشاكستها الدائمة ولكن هذا لا ينفي غضبه اللحظي منها وخالتها ثريا التي تتذكرهم مساءا وتنساهم صباحا فيضطروا لتذكيرها بهم في كل مرة.
كما أنه بحث ووجد عمل مؤقت كعامل توصيل ليقضي على وقت فراغه ويكون موعده مسائي ليتحجج بعدم المبيت مع نوسين في غرفة واحدة كما اتفقا..
دخل للحارة التي يقطنون بها فوجد بعض الأناس يجتمعون حول شيء لم يره تقدم بهدوء حتى فرق بينهم ليرى ما يجتمعون حوله والذي لم يكن سوى مصيبته نوسين التي كانت منهمكة في تصليح السيارة لشخص ما يقف جوارها متابعا ما تفعله بإعجاب بينما باقي الأشخاص يتابعون ما يحدث بدهشة..
وقد عذرهم لأنه ليس من الشائع أن تجد الميكانيكي ليس سوى فتاة شابة..!
تقدم عمر منها ثم أمسكها من معصمها قائلا بحروف مغلقة
يلا نطلع.
فأشارت له بإصرار وتركيز فيما تفعله
استنى بس أنا قربت أخلص اهوه.
وكأن البلهاء لا تستوعب أنها تقدم عرض سخي لأهل الحارة ليتحدثوا فيه لأسبوع كامل قادم!
ولتتأكد ظنونه سمع احد الواقفين الوقحين يسخر بضحكة قصيرة سخيفة مثله
واضح إن المدام إندمجت جدا.
ثم سأله بطريقة أشد سخافة
هي الموهبة دي عندها من زمان أعذرني أصل أنا أعرف إن الست بتحب الطبخ او لا مؤاخذة الرقص لكن تصليح عربيات جديدة دي!
أطبق على أسنانه بغيظ دفين ولكنه تحكم في نفسه حتى لا يلكمه على سخافته وتدخله فيما لا يعنيه وجذب نوسين من ذراعها ولكن هذه المرة بأقوى من سابقتها ساحبا إياها خلفه نحو شقة خالتها فصاحت فيه بانفعال ما أن اصبحوا بمفردهما
في إيه أنت شاددني بالطريقة دي ليه
أخبرها بامتعاض وقد تبدد ثباته بسبب رد فعلها كالعادة
يمكن عشان حضرتك واقفة في نص الشارع وعاملة عرض للي رايح واللي جاي مثلا
توقفت على كلماته في استنكار
عاملة عرض! ليه شايفني كنت برقص ولا إيه
لأول مرة لم يملك السيطرة على لسانه الذي يبدو أنه اصيب بعدوى الفظاظة منها فقال بنبرة ذات مغزى جارحة دون عمد
ياريتك بترقصي اهي حاجة طبيعية لأي ست بدل دور الراجل اللي أنتي متقمصاه دا.
شعرت بكلماته تنغرز ك وتد قاس في منتصف هيكل انوثتها تماما مفتتة إياه لشظايا..
ولكنها لم تستسلم بل صرخت فيه بشراسة
وأنت مالك أنت هتصدق إنك جوزي ومن حقك تحاسبني على تصرفاتي ولا إيه! أنا حرة أتقمص دور الراجل أتقمص دور الست أنا حرة.
قابل صراخها الشرس بعنف رجولي صارخ
طالما أنا قدام الناس للأسف جوزك يبقى من حقي لازم تراعي منظري قدام الناس على الأقل طالما أنتي مش فارق معاكي تعيشي طبيعتك وتكوني انثى بصي باقي الستات اللي في الحارة عاملين ازاي وأنتي عاملة ازاي أنتي عايشة حياة مش حياتك والمصيبة إنها عجباكي.
شعرت بأنوثتها وكرامتها ترفرف كطير مذبوح يلفظ أنفاسه الأخيرة والدموع تتسابق لعينيها في سبق كان الأول من نوعه منذ رآها ثم تشدقت بصوت مختنق بالبكاء
ما أنت لما تصحى في يوم تلاقي أبوك مات وسابك وحيد وسايب وراه ديون قد كدا أنت ماكنتش تعرف عنها حاجة ومطلوب منك تسيب المنطقة وتختفي لإن الناس اللي مديناه لو لاقوك هيطالبوك بديونه دي وتلاقي نفسك في الشارع ملكش حد ولا مكان وقريبتك الوحيدة القريبة ماينفعش تجيلها لأنها يادوب ممشية نفسها بالعافية بالمعاش وماقدامكش غير انك تسافر لأي حد قريبك حتى لو متعرفش عنه حاجة غير عنوان وتشحت منه الشفقة وإنه يعطف عليك ويقعدك معاه وحتى مش معاك شهادة تخليك تشتغل ومش قدامك غير الصنعة اللي أبوك علمهالك قبل كدا كأنه كان حاسس ساعتها هتبقى مجبر تعجبك حياتك الجديدة وإلا هتتجنن أو هتنتحر.
شعور بالحقارة لنفسه لفح أعماقه واشتدت قبضة الندم الغليظة على قلبه حتى كادت تدميه والاختناق يسيطر على كافة خلاياه
فهي تقريبا عانت من تقلب قدرها للكرب مثله ولكنها كانت أقوى وأشجع منه استبسلت في حربها مع الحياة لتنل منها ما يبقيها ثابتة دون أن تنهار مثله..
لدقيقة تقريبا لم يستطع النطق وكأن لسانه ملجوم بلجام من نار حتى استدارت هي وكادت تغادر دون أن تضيف المزيد ولكنه أوقفها مسرعا يمسك بذراعها مرددا أسمها لأول مرة
نوسين.. استني.
استدارت له ببندقيتاها اللامعتان بالدموع فرأى انعكاس صورته مشوشة فيهما وكأنهما تتهمانه واستشعر وخز مؤلم بقلبه فنطق اخيرا بخفوت لم يدري كيف خرج حاني دافئ
أنا ماقصدش.
وعجز عن اضافة المزيد ولكن إصبعاه وكأنهما إنفصلا عن عقله الصلد فتحركا ببطء ليمسحان الدمعة التي تسربت مؤخرا من عينيها فشعرت بلمسته الرقيقة تربت على جرحها رغم أنه لم يعتذر..
ولكنها لم تجيبه ايضا سوى بهزة رأس بسيطة وغادرت لغرفة خالتها بينما هو يتنفس بصوت مسموع بالتأكيد لن يحايلها لأجل خطأ غير مقصود.. بالنهاية هي لا تهمه كما لا يهمه أي شيء في الحياة.
اليوم التالي
وكما توقع عمر لم يحظ سوى بالتجاهل التام من نوسين التي تعرب بالصمت عن جرحها منه الذي لم يندمل..
كانوا جميعهم متجمعين أمام التلفاز بقانون صارم من قوانين ثريا التي أصرت على تشديد أواصر المحبة بينهما رغما عن أنفيهما..
لاحظت نوسين التي كانت صامتة كثيرا بغير عادتها الثرثارة وعدم توجهيها أي حديث لعمر الذي لم يحاول جذب أطراف الحديث معها من الأساس فاستنتجت دون عناء أنهما على خلاف..
لذا قطعت الصمت البائس بصوتها الهادئ تهتف في نوسين
بقولك يا برقوقة.
نظرت نوسين نحوها متسائلة بهمهمة خافتة
نعم يا خالتي
ما تنزلي تجيبيلي شوية حاجات من السوق.
طلبت بهدوء وبراءة ظاهرية بينما المكر الأنثوي يلمع بحدقتيها فأومأت نوسين برأسها موافقة في طاعة
حاضر هقوم ألبس.
وبالفعل نهضت لترتدي ملابسها فاقتربت ثريا من عمر الذي كان جالس يشاهد التلفاز بملل ويحمل بين يديه طبق الفشار يلتقط حباته دون اهتمام ظاهريا بما يدار من حديث بينهما..
ثم سألته بنبرة حملت شيء طفيف من الاستنكار
هو أنت مش هروح مع مراتك
سألها متظاهرا بعدم الفهم
اروح معاها فين
السوق هتسيبها تروح لوحدها وهي حلوة كدا أحسن حد يعاكسها يا ولا.
حثته بنبرة كاد مغزاها يضحكه إن علمت أنه بالأمس فقط كان يشكك في أنوثتها ستقتله حتما !
ثم من تلك التي يتعرض لها احدهم نوسين اخر فتاة يتخيلها تتعرض لمضايقات ولا تقتل صاحبها.
ولكنه على عكس كل ما يدور بخلده كان يهز رأسه مؤكدا بابتسامة كاذبة
هروح معاها طبعا.
وبالفعل نزلا معا من المنزل فقالت نوسين ببرود ما أن اصبحا بالشارع
خلاص روح أنت بقا أي حتة.
نظر عمر لأعلى حيث شرفة منزل خالتها وكما توقع وجدها تقف فيها مراقبة إياهم فابتسم لها وهو يهز رأسه ثم عاد يوجه بصره نحو نوسين متشدقا
خالتك شايفانا في البلكونة يلا هروح معاكي وخلاص.
وها هي نوسين تشتري بعض الخضروات من احد البائعين بينما هو ينتظرها بعيد قليلا عن زحمة النسوة او الاحتكاك بهم..
بكام الأوطة دي يا حاج
سألت نوسين البائع وهي تتفحص الخضروات بحرص كما أوصتها خالتها فأجابها بعبث وهو يشير بعينيه لباقي النسوة في السوق
الكيلو ونص بعشرة للغفر دول لكن الاتنين كيلو بعشرة للحلوين اللي زيك.
صاحت نوسين بسخرية
دا إيه التبذير دا ! تبذير في نص كيلو مرة واحدة دا حتى المبذرين اخوات الشياطين يا حاج.
قال بأسلوب فج وعيناه تمشطها من رأسها لأخمص قدميها
دا مش تبذير دا كرم مني أصل أنا راجل ومعلم وبقدر الجمال أوي ولما يكون قدامي حتة طرية بالجمال دا لازم أقدرها كويس أوي.
شهقت نوسين شهقة طويلة ملحنة وهي تهتز بجسدها في حركة بطيئة مدروسة وهبت كلماتها كالأعصار بوجهه
جمال دا يبقى جوز خالتك بقا أنا محترماك وعمالة أقولك يا حاج يا حاج وأنت راجل قليل أدب.
في تلك الاثناء كان عمر شارد الذهن حتى اخترقت مسامعه شهقة نوسين العالية فتوجه نحوها على الفور ليجدها في حالة هياج شرس وما أن اقترب منها حتى أخذت تربت على صدره بفخر وهي تصيح
اهو جه جه اللي هايموتكوا راجلي اللي هايجيبلي حقي.
تنحنح عمر وهو يتفحص بعينيه الرجل الذي كان سمين الجسد بشكل مبالغ به ومن حوله الصبية الذين يعملون معه والذين تأهبوا للعراك.
وتحدث بنبرة خفيضة بالتواءة شفاه شبيهه بابتسامة سمجة ظاهرية
استهدي بالله كدا يا حبيبتي دا الصلح خير.
حين وعى الرجل للأناس الذين بدأوا في التجمع حتى التجأ لمقولة افضل وسيلة للدفاع هي الهجوم وهدر فيهما بحدة
ما تلمها طالما هي تخصك بدل ما هي طايحة في خلق الله كدا.
ونوسين بالطبع لم تصمت بل زأرت بوجهه بعنفوان
أنا برضو اللي طايحة في خلق الله ولا خلق الله اللي زيك هما اللي مشافوش بربع جنية تربية.
والله ما في حد غيرك مشافش رباية يا
إنفجر يسبها بصوت أجش عنيف فاتسعت عينا نوسين صدمة من وقاحته المفرطة
بيتحرش بيا وبعدين يشتمني! لا دا أنت عايز اللي يربيك بقا.
في نفس اللحظات إنقض عمر عليه يلكمه بعنف يربيه كما قالت وغضب أهوج تفجر بين أوردته بعد أن سمعه يسب مصيبته برقوقة فلا يحق لأي شخص سواه أن يسبها او يعنفها فما بالك بالتحرش!
ازداد اهتياجه مع فشله في تحديد منبعه ولكنه كان أكثر من كاف ليحرق الأخضر واليابس ونيران هوجاء لا تخفت بل تشتد اتقادا نيران التملك التي لم يكتشف وجودها سوى بعد أن شعر بلسعاتها الضارية.
اخيرا إنتهت المعركة على خير ولم تتسبب بأضرار حقيقية لأي شخص سوى لذاك البائع اللعين بإصابات بالغة بوجهه لتظل ذكرى تذكره دوما بشناعة فعلته.
تتذكر جيدا كيف أن صبية المعلم أرادوا التدخل ولكنها منعتهم بمساعدة باقي رجال الحارة وهي تهدر في وجههم بسخرية
واحدة واحدة كله هياخد نصيبه بس ٣ على واحد مش رجولة!
بعد فترة
حين كانوا في منزل ثريا سمع عمر الذي كان يجلس في الصالة أمام التلفاز صوت طرقات عنيفة بعض الشيء على الباب فعقد ما بين حاجبيه بتعجب وهو يقول
ثواني.
نهض بخطى متعجلة نوعا ما ثم فتح الباب ليجد رجل عريض وقوي البنيان سأله بجدية
مين حضرتك
أنا اللي هايقبض روحك.
قالها بصوت أجش غليظ قبل أن يسحبه بحركة مباغتة للخارج قليلا وعاجله بضربة عنيفة لم يتوقعها عمر و
يتبع
كانت ثريا تعد الطعام وخرجت من المطبخ وهي تمسح يدها المبللة ف فوجئت بالشجار الذي يحدث أمام باب منزلها تحركت نحوهم مسرعة وهي تسأل مصدومة
في إيييييه
أجابها الرجل بلهاث عنيف وكأن ذلك البربري يحمل قدرا لا بأس به من الشهامة التي لا تليق بما يفعل
دا واحد عايز يتأدب وبأدبه يا حاجة ادخلي أنتي.
زمجرت فيه ثريا بعصبية غير مبررة وهي تشيح بيدها
وملاقتش حتة تأدبه فيها غير قدام باب بيتي ياخويا !!
إتسعت عينا عمر ذهولا وهو يدرك أنها قد نسته للمرة التي لا يذكر عددها منذ مجيئهما ولكنه لم يكن في وضع يسمح له بتصحيح الصورة لها فقد كان في هم الدفاع عن نفسه ضد هذا الثور الهائج الذي أخذ يردد بغلاظة
عشان تتعلم إنك ماتتطاولش على أسيادك ومعلمينك.
اخيرا علم سبب دق طبول هذه الحرب دون مقدمات ولاح بمخيلته صورة الشخص المقصود من حديثه والذي لم يكن سوى ذلك البائع الوقح ألا يكفيه جرأته التي تجاوزت الحد المسموح به ليرسل له من يدعي تأديبه ايضا !!
ازدادت اعصابه اهتياجا وغلا ليرد الصاع صاعين لذلك الهمجي الذي دخل في عراك معه بمفرده آمرا من معه ألا يتدخلوا ويبدو أنه يتفاخر بضخامته!
فيما كادت ثريا تغلق الباب فأوقفتها نوسين التي جاءت بسبب الأصوات العالية تستفسر عن مصدرها
في إيه يا خالتي
لم يخف عليها المفاجأة التي لوحت من قمم قسمات خالتها التي تبدلت عصبيتها العارضة بفرحة مخلوطة بالدهشة وهي تردد لقبها اللعين الذي فرض عليها قسرا
برقوقة! أنتي جيتي امتى
ثم أجابت سؤالها بلامبالاة
دا شكله حرامي وبيأدبوه.
هزت رأسها بلامبالاة مماثلة وهي تهمهم
يأدبوه يستاهل ابن ال
ثم اقتربت من خالتها وهي تقلب عينيها بملل حقيقي وتهيء نفسها لاعادة الاسطوانة الصوتية التي حفظت داخلها مؤخرا تسمعها لخالتها كل حين وآخر ولكن استوقفها رؤية عمر الذي كان يتبادل الضربات واللكمات مع ذاك الرجل فصرخت بفزع وهي تلطم خديها
يالهوي حرامي إيه دا جووووزي.
ثم ركضت نحوهم وبدأت تصرخ ليجتمع الجيران في محاولة لتفريقهم وبالفعل نجحوا في ذلك بعد أن أصاب كلا منهما الاخر بجروح واضحة بوجهه..
كانت ملامح عمر متجهمة يشعر أن داخله ينصهر بلهيب الغضب والغل وأنه لم ينل منه كما يريد..
تحركت نوسين تبحث عن صندوق الإسعافات الأولية ولكن لم تجده مكانه فنظرت نحو ثريا تسألها
علبة الإسعافات الأولية فين يا خالتي أنا كنت حطاها هنا
ولكن ثريا لم تتذكر وأردفت بتيه وعيناها تجوب المنزل يمينا ويسارا
مش عارفة ممكن أكون شيلتها بس مش فاكرة فين!
تنهدت الاخرى ولم تعلق ثم بدأت البحث عنها فيما نظرت ثريا نحو عمر الجالس جوارها بصمت محترق وهمست بتأنيب ضمير
معلش يا عمر يقطعه الزهايمر والله ما افتكرتك يا حبيبي كنت بحسبك حرامي وبيضربوك عشان كدا.
هز عمر رأسه وهو يغتصب ابتسامة رقيقة مخففا عنها ثقل الذنب
ولا يهمك عادي يا حاجة ماحصلش حاجة.
بعد قليل من البحث جاءت نوسين حاملة بيدها صندوق الإسعافات ثم جلست بالقرب من عمر تنظر لجروحه بتركيز قاطبة جبينها وعيناها تضيق بلمعة تأثر واضحة تتوارى خلفها مشاعرها المنتفضة بالقلق عليه داعبت رغما عنه دواخله.
ولم يشعر ولو ثانية برفض لذلك الاهتمام بل شعر بخلاياه تنساب في استسلام متلذذ أسفل حدوته!
تنحنح يجلي صوته الذي خرج خشن رخيم
دي حاجة بسيطة مش مستاهلة.
عادت له بعينيها باستنكار تردد
بسيطة إيه دا أنت إتخرشمت!
أبعد يدها التي كانت تقترب من وجهه وهو يقول في اعتراض حانق بدا لها طفولي
على فكرة هو إتخرشم وإتضرب أكتر.
اومأت برأسها مؤكدة تهاوده
ايوه طبعا ما أنا عارفة.
أحسها تسخر منه ومما حدث فتلفظ بغل متعمدا تذكيرها
وهو كل دا بسبب مين!
هزت كتفاها معا متهكمة
وأنا مالي يا لمبي!
عض شفتاه وإحتشد الاستهجان في كلماته المستنكرة
دلوقتي وأنتي مالك صحيح عاملة زي القطط تاكلي وتنكري بس عندك حق كان مفروض أسيبهم يرنوكي علقة في السوق.
ضغطت على جرحه بقوة متعمدة فتأوه بألم لتدعي التأثر الذي غطى بمهارة على غيظها ومكرها في تلك اللحظات
لا مؤاخذة يا حبيبي مش قصدي.
دوما تنجح في اختزال كل طاقته في رغبة وحيدة بقتلها بسبب مشاكستها المستمرة وفي نفس الوقت يستمتع بتلك المشاكسة التي تصل لنقطة مغمورة داخله وتداعبها فارضة عليه الانسجام الشعوري.
بعد أيام
هكذا توالت أيامه التي صارت موجزة في شخص واحد نوسين وما فعلته نوسين.. وما قالته نوسين.. يشعر بتأثيرها عليه وتغيير في نفسه ولكنه يرفض الاعتراف به.
نفسه التي كانت مستسلمة للاحتراق الضاري والتناثر كالرماد رافضة لكل ألوان الحياة المبهجة فأضحت بوجودها كالعنقاء تبعث من جديد من رمادها المحترق.
وفي يوم العطلة كانت ثريا جالسة بمفردها منسجمة أمام التلفاز كالعادة ونوسين تجالسها خرج عمر من دورة المياه وجلس جوار نوسين مكررا الروتين اليومي بالجلوس معهما قليلا بعد تناول العشاء ثم المغادرة بأي حجة..
أشارت ثريا برأسها لنوسين هامسة لها بحروف آمرة
قربي منه.
ابتلعت ريقها ونفذت الأمر على مضض بالاقتراب قليلا فاحتدت نظرات ثريا وهي تشير لها لتقترب أكثر كظمت نوسين توترها الذي بدأ يضرب ضلوعها واقتربت اكثر حتى كانت شبه ملتصقة به تشعر أن كل خلية بها تهدر بصوت عال مسموع وليس قلبها فقط!
ابتلع ريقه ببطء مقررا تخليص نفسه فنهض متنحنحا بصوت مسموع
استأذن أنا بقا.
ثم تحرك وكاد يغادر ليبيت في الغرفة التي تقبع بالأعلى دون علم ثريا بالطبع..
فأوقفته منادية بحزم
عمر.
استدار لها متوقعا سؤالها الذي لم يتأخر كثيرا
أنت رايح فين
رايح أقعد مع الشباب تحت.
نهرته بعصبية خفيفة تعود على طفوها بدون مبررات
بلا شباب بلا نيلة مراتك دي ليها حق عليك اعتبرها شاب من الشباب يا سيدي واقعد معاها شوية.
كاد يعلن حجة جديدة ليهرب ولو أن الحجج كلها فرغت منه
ما أنا آآ
ولكنها قاطعته بحزم غير قابل للنقاش
اتفضل روح يلا اقعد مع مراتك شوية قبل ما تناموا يلا.
تنهد بقوة قبل أن يستدر مجبرا على مضض ويعود للغرفة لنوسين التي ما أن رأته حتى سألته بتلقائية مدهوشة
إيه دا أنت إيه اللي رجعك
تلفظ ساخرا
قلبي مش قادر على بعدك.
رفعت حاجبيها معا بتعجب وعلى طرف لسانها شك في جنونه فجلس على الفراش وقال متنهدا
خالتك اللي أجبرتني إني أرجع أقعد معاكي.
معلش اقعد شوية وهي هتنام وابقى انزل.
هز رأسه مؤكدا على كلامها..
وبعد قليل سمعا صوت المفتاح يتحرك في باب الغرفة ولم يكن الأمر يحتاج الكثير من التفكير ليستنتجا أن خالتها أغلقت الباب عليهما فاتسعت حدقتاه وهو يشير نحو الباب بذهول
إيه اللي حصل دا
قفلت الباب علينا.
غمغمت نوسين التي كانت منخرطة معه في فقاعة واحدة من الصدمة فتصرفات خالتها قد فاقت التوقعات ثم نهضت مسرعة نحو الباب لتحاول فتح الباب حتى تتأكد من ظنونهما التي كانت شبه مؤكدة وحين تأكدت استدارت لعمر الذي تكلم بكمد
خالتك بتعاملنا معاملة يهود هنعمل إيه بقا في الورطة دي
صمتت لدقيقتان تقريبا منغمسة بين طيات عقلها تفتش فيه عن حل سريع ثم برقت بعقلها فكرة جعلت الابتسامة الشقية تتراقص على شفتيها وهي تستطرد بزهو
أنا عندي بعون الله الحل لكل حاجة ثق فيا.
لمح بطرف عينيه برص كان يسير على سقف المنزل فأردف ساخرا وهو يشير له
دا أنا أثق في البرص دا وماثقش فيكي.
افترش التحدي ساحة عينيها البندقية ثم أمسكت دبوس شعرها ونفخت خصلتها السوداء التي تدحرجت مغطية جزء من عينيها بغرور طفولي ثم اقتربت من الباب وبدأت تحاول فتحه بدبوس الشعر ولكن محاولتها
الله هو مافتحش ليه زي في الافلام
قاطعها صوت عمر المستهزئ وهو يردد
مش يمكن عشان المخرج عايز كدا مثلا
تعلق الاحراج على أطراف معالمها ولم تنفجر حروفها كالعادة فهز عمر رأسه بيأس
انتي دماغك إتلحست من الافلام وبعدين أنا مستني إيه اساسا من واحدة اسمها برقوقة.
رمقته شرزا وهي تحذره من بين أسنانها ضاغطة على كل حرف من حروفها
أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الاسم دا أنا
متابعة القراءة