رواية نوسين جميع الفصول كاملة عمر ونوسين بقلم رحمة سيد
المحتويات
خيلك إركبه.
وركضت مسرعة نحو غرفتها تحتمي بها مغلقة عليها الباب الذي شعرته سينكسر بأي لحظة بسبب طرقات عمها العنيفة المهتاجة عليه وهو يصيح
افتحي افتحي الباب يا بت ال
جلست كالقط المذعور على الفراش لا تدري ماذا تفعل او كيف ستهرب من براثنه حتى!
لم يجول بخاطرها سوى أسم واحد وهو عمر الذي بمجرد أن تذكرته شعرت بالأمان يقترب ببطء من رحابها المذعورة فلم تفكر كثيرا او تردد في امساك هاتفها والاتصال به لم يجيب اتصالها في المرة الأولى ولكن في الثانية أجاب بصوت أجش
عايزة إيه يا نوسين
توسلته بصوت مرتجف كحالها بالاضافة لاختراق تلك الطرقات سمعه
إلحقني يا عمر بالله عليك.
سألها بقلق لم ينتبه لاجتياحه كلماته وجوارحه
مالك أنتي فين
اجابته مسرعة
في البيت عمي هيموتني أنا حابسة نفسي في اوضتي وهو هيكسر الباب عليا.
لم يتردد في طمئنتها بحنانه الفطري العفوي
متخافيش أنا جاي على طول اهوه.
جلست تنتظره على أحر من الجمر والخوف ينهشها ولكن لحسن الحظ بعد قليل استكانت ضربات عمها على الباب وخفت صوته فاقتربت من الباب محاولة سماع الذي يحدث بالخارج فسمعت أصوات بعض جيرانها الذين يبدو أنهم أتوا بعد سماعهم للأصوات العالية في منزلها وبدأوا في محاولة إقناعه بتركها وتهدئته.
بعد فترة ليست كبيرة..
سمعت صوت عمر وسط الأصوات بالخارج وميزته بسهولة فتهللت أساريرها فرحا بوصوله وشعرت أن حضوره يحيط قلبها بقوقعة من الدفء والاطمئنان سمعت جداله مع عمها الذي لم يبخل عليه بالطبع بوابل من الإهانات المبطنة والصريحة..
بينما عمر يهدر فيه
مش من حقك تتعامل معاها بالعنف دا وتمد إيدك عليها.
فقال الاخر بتبجح
لما هو مش من حقي أنا عمها من حق مين من حقك أنت أنت مين أصلا عشان تتدخل في حاجة عائلية
مش من حق أي حد هي مش طفلة عندها خمس سنين هتربيها بالضرب دي أنسة كبيرة بقت طولك.
تشدق بها عمر بانفعال وأيده باقي الرجال المجتمعين إلا أن ذلك لم يؤثر في ذلك الرجل غريب الأطوار حيث تابع
لا من حقي وأنا بقا مش هاسيبها غير لما أخد حقي.
حينها لم يجد عمر بدا من استخدام أسلوب التهديد الذي يلجأ له أحيانا في عمله
طب أعمل حسابك لو إتعرضتلها تاني بأي شكل من الأشكال هعملك محضر وهحبسك.
اهتز صدر عمها بالغضب ولكن هذه المرة أثارت قلقه كلمات عمر لذا قرر المغادرة مع التحفظ على مطلبه
أنا ماشي بس يكون في علمك برضو مش هاسيب حقي.
ثم غادر بالفعل وبدأوا الجيران يغادرون هم ايضا واحد تلو الاخر وهم يضربون كف فوق كف بعدم تصديق فخرجت نوسين أخيرا تنهل من تواجد عمر وحضوره الطاغي على قلبها الدفء الذي تنشده..
ولكن عمر لم يقل سوى جملة وحيدة مقتضبة شبه آمرة متجاهلا الإحمرار الذي على وجهها نتيجة صفعته وجعل غصة تصيب قلبه الذي تحرق بالغضب متوعدا لذاك الفظ
لمي هدومك هتيجي تقعدي معايا يومين لحد ما اتأكد إن حوار عمك دا اتقفل ومش هيتجنن في عقله ويتعرضلك تاني وهنعمله محضر عدم تعرض.
استنكرت نوسين كلماته بشدة
أجي أقعد معاك ازاي يعني! أنت مفكر إننا في أمريكا ولا إيه!
حكى لها بجدية
مش هتقعدي معايا في نفس الشقة هتقعدي في الشقة اللي في وشي بتاعت أمي الله يرحمها.
هزت رأسها نافية برفض تام
لأ مش هينفع أنا مش هعيش حياتي هربانة من دا شوية ودا شوية احيانا بنبقى لازم نواجه.
اخشوشنت نبرته وهو ينهيها
قولتلك بطلي تعيشي دور السبع رجالة في بعض دا مش كل مرة الجيران هيتلموا وأنا هاجي ألحقك ممكن المرة الجايه يفتح دماغك ولا حاجة ومحدش يحس وبعدين بطلي عند دا مش هروب دا هما يومين هظبط كل حاجة ونخلص من قرفه اعتبري نفسك في زيارة سريعة لأي حد.
صمتت لدقيقتين تقريبا استغرقتهم في التفكير تود الرفض فعلا ولكن كل ما قاله مقنع ومنطقي وبما فعله عمها اليوم تيقنت أنه لن يتوان عن اثارة البلبلة والفضائح لها يوميا وربما كسر دماغها وعظامها ايضا كما قال عمر لذا اتخذت قرارها واومأت برأسها موافقة على مضض
ماشي.
وبالفعل بعد فترة كانت قد وصلت مع عمر للبناية التي يسكن بها طوال الطريق لم يوجه لها أي كلمة اخرى وكأنه يرسل لها رسالة مبطنة عبر ذلك الصمت فحواها أن غضبه واعراضه عنها لم ينتهي..
فتح لها شقة والدته مع إعلامه لها ببعض الأمور لتتكيف على المنزل في اليومين القادمين ثم غادر هكذا دون المزيد..
تنهدت نوسين ولتقضي على وقت الفراغ الذي ينتظرها بدأت بتنضيف المنزل الذي لم يكن مهجورا في الأصل فقد كان عمر يفتحه كل بضعة أيام لتهوئته..
فتحت الباب وخرجت ترمي القمامة في سلة المهملات التي كانت أمام الباب وتركت الباب مفتوح وعادت تحضر باقيها من الداخل في تلك الاثناء تقدمت سيدة ذات ملابس أنيقة مهندمة في عقدها الخامس تقريبا تغطي خصلات شعرها بحجابها الذي يحوي قسمات وجهها التي بدأت تميل لتجاعيد خفيفة ترافقها فتاة شابة ممشوقة القوام تحمل ملامح شرقية سمراء جميلة ما أن رأوا الباب مفتوح حتى ظنوا أن عمر بالمنزل يطل عليه كما يفعل كل فترة..
خرجت نوسين في تلك اللحظة ليتصادموا ثلاثتهم ببعضهم كانت أسرع في قطع خيط الصمت نوسين التي سألتهم بتلقائية
أنتوا مين
أجابت السيدة بملامح تحمل شيء من التحدي والترقب
فين عمر أنا عمته ودي خطيبته أنتي مين
تجمدت نوسين مكانها وصدى كلمة خطيبته يتردد باذنيها مسببا لها طنين مزعج.
يتبع
بوغتت نوسين بتواجدهما والخبر الصادم الذي ألقوه بوجهها بل بقلبها كفتيل مشتعل وظلت تبحث بين طيات عقلها عن اجابة مناسبة لسؤال عمته الذي بقي معلق بالهواء ولكنها عجزت عن ذلك وكأنها تبحث عن إبرة في كومة قش.
وفي عناية إلهية خرج عمر من شقته ليتفاجأ بوجودهما وأمام نوسين المتصنمة أمامهما !
اقترب منهم بخطى سريعة نوعا ما قائلا بود
ازيك يا حبيبتي عاملة إيه
بادلته بالمثل وتمتمت بخفوت بينما عيناها لازالت معلقة ب نوسين
الحمدلله يا عمر أنت كويس
الحمدلله ازيك يا هند
ألقى نظرة سريعة نحو هند مصحوبة بإبتسامة متعرجة على خطوط شفتيه قبل أن يتنحنح مشيرا نحو نوسين ليعرفها ويعرفهم لها بالمثل
دي نوسين ودي عمتي سلمى وهند.
سألته سلمى مستفسرة بحروف حاولت أن تغطيها بثوب اللباقة الذي بدا مرقع مع خروج حروفها
بس غريبة يعني قاعدة في شقة والدتك الله يرحمها ليه!
تأخرت اجابته لثانيتين فقط قبل أن تخرج بسلاسة كادت تصيب قلب نوسين بذبحة صدرية
نوسين معرفة قديمة وعندها شوية ظروف صعبة ف اضطرينا لكدا.
هزت عمته سلمى رأسها موافقة على مضض ولكن عمر قرأ في عينيها ما لم يفصح به لسانها وفضل تجاهله.
اما نوسين فقد كانت تشتاط غضبا من اجابته السخيفة!
أشار عمر لعمته وتلك المدعوة هند نحو باب شقته وأردف بهدوء
تعالوا طب ندخل.
وبالفعل تحركا ثلاثتهم صوب باب الشقة تاركين نوسين تكز على أسنانها تحاول منع لسانها السليط من الإنخراط في معركة كلامية حادة سيكسبها بالتأكيد ولكنها ستخسر اشياء اخرى كثيرة في مقابلها.
دلف عمر معهما للمنزل فقطعت سلمى الصمت مبررة سبب وجودهما الذي تعلم جيدا أن عمر يكبح زمام السؤال عنه تقديرا لها ولكنه فشل في إرساؤه أرضا فارتفع مخالطا أمواج عينيه الزرقاء
أحنا كنا بنشتري شوية حاجات من مول قريب هنا وقولت لهند لازم نعدي على عمر نشوفه.
يرى عمر ركاكة خيط الصدق في حروفها ويعلم أنها جاءت ب هند مخصوص لتفتح بينها وبين عمر بابا مغلقا ولكنه رسم ابتسامة خفيفة توازي كلماته الودودة
نورتوا يا عمتي.
وبعد وقت قصير استهلكته تلك الجلسة بلا فائدة بالنسبة لعمر على عكس هند التي كانت تحاول التقرب منه تحاول اختراق الحدود التي وضعها لنفسه وكالعادة فشلت في ذلك ولكنها لم تيأس!
نهضت مع سلمى حين حان وقت الرحيل وقالت بلهجة عاتبة تحمل تخبطها بين القنوط والأمل الطفيف
كان نفسي نقضي مع بعض وقت أكبر من كدا يا عمر لكن للأسف لازم نمشي أتمنى إننا نتقابل أي وقت تاني.
رده كان متكلف سياسي
إن شاء الله يا هند.
تنحنحت هند وهي تلتقط حقيبتها مرددة بهدوء
طب أنا هسبقك على العربية يا طنط سلمى.
ماشي يا حبيبتي.
ردت بها سلمى التي كانت مصوبة بصرها نحو عمر الذي تأهب لنقاش جديد يحفظ بدايته ونهايته وبالفعل ما أن غادرت هند حتى تكلمت سلمى بحنق عاتب
مش هتبطل تعامل البنت بالأسلوب الناشف دا يا عمر
واجهها بما ردده لها مرارا
أنتي اللي بتعرضيها للموقف دا في كل مرة تجيبيها مكان أنا فيه.
هدرت فيه ببوادر إنفعال تطرقت لها كلماتها
يعني هي مش طايق تقعد معاها ساعتين على بعض لكن غيرها بتجيبها تقعد في شقة والدتك وتبقى في وشك ٢٤ ساعة عادي.
تنهد عمر بصوت مسموع وغامت عيناه بسحب ماضيه المظلم وكأنها توثق قوله وهو يخبرها بترو بدأ يغادره
لا هي ولا غيرها وفهمتك إن نوسين وضع مؤقت أنا مش عايز أي واحدة قريبة مني صعبة دي يا عمتي
سألته
امال عايز إيه يا عمر عايز تفضل وحيد دايما كدا لحد ما وحدتك دي هتقتلك.
أكد دون تردد بصوت خاو
بالظبط عايز كدا.
تجهمت ملامحها ولم تقدر على كبح الغضب الذي تشعب داخلها وجعلها تطرق حروفها كمطرقة لاهبة
براحتك يا عمر براحتك أنا تعبت منك ومن دماغك الناشفة دي.
ثم تحركت لتغادر هي الاخرى بغضب صار يلازمها كلما دارت مع عمر في حديث حول نقطة الماضي التي يرفض النزوح عنها.
في نفس الوقت كانت نوسين تقف خلف باب الشقة التي تقطن بها اذنيها ملتصقة بالباب مترصدة لأي صوت يصدر عن شقة عمر فسمعت صوت الباب يفتح وصوت خطى يبدو أنها لعمته التي تغادر وأكد ظنونها قول عمر الآسف على شيء لم تعرفه
متزعليش يا عمتي حقك عليا وياريت مانفتحش الموضوع دا تاني بعد اذنك.
وبعد مغادرتها مباشرة فتحت نوسين باب الشقة بعد أن وضعت على وجهها قناع الجمود وفي يدها حقيبة صغيرة بها أشياء قليلة تخصها عقد عمر ما بين حاجبيه متعجبا وسألها
أنتي رايحة فين
ردها التالي كان جاهز في عقلها محمل بأعلام الغضب التي ارتفعت داخلها بسببه
أنا همشي عشان ماسببلكش احراج ولا تضطر تقول دي واحدة ظروفها صعبة ولا أي حاجة.
وبعدين استنى إيه ظروفها صعبة دي! هو أنا بشحت منك دا أنت اللي اتحايلت عليا على فكرة عشان أجي.
تابعت بأنف مرفوعة بغرور غطى على سخطها وأحسه لا يعلو فوق قمم وجهها إلا في حضرته فانتابته رغبة ساخرة في جذبها من أنفها المرفوعة المتغطرسة تلك!
استعاد جموده سريعا حين تابع بلامبالاة
بعيدا عن الهبد اللي بتقوليه دا بس كنتي عايزاني أرد اقولها إيه يعني!
أعرب حنقها عن وجوده علنا حين صاحت فيه بعصبية
كان في ٣٠٠ رد ممكن ترده غير دا.
اقترب منها خطوتين ثم أشار لها بإصبعه نحو الشقة لتدخل فتحركت أقدامها بتلقائية مستجيبة لأمره المبطن في إشارته ونظراته المهيبة دخل هو الاخر فأصبحا كلاهما داخل الشقة ولكن لا يزالا أمام الباب فقال بخشونة حازمة
اولا ماتعليش صوتك وأنتي بتكلميني ثانيا أنا بقا من ال٣٠٠ دول رديت الرد دا وبعدين خلاص هرجع الزمن ل ورا يعني!
دا أنت..
كاد لسانها ينفلت من جديد بسباب احتجز في حلقها بسبب نظرته القوية المتأهبة وقوله المتحدي الذي مرت عليه السخرية سريعا فأصابته بجزءا منها
أنا إيه بقا كملي كملي متخافيش
هزت كتفاها بلامبالاة وشجاعة زائفة أنكرت حدقتيها المهتزتين وجودها
أنا مابخافش على فكره وهخاف منك ليه هو أنت بعبع!
لم يجاريها في سخريتها بل أضاف بصلافة ملتزما بالوقوف على خط الجمود الذي يقيه من الانسياق خلف مشاعر حمقاء تهدده
ادخلي جوه.
نفت برأسها بعناد وإباء
لا مش هدخل أنا هامشي لاعملك مشاكل مع عمتك وبنت عمتك اللي هي خطيبتك يعني.
نفى عمر ببساطة وتلقائية
دي مش بنت عمتي اصلا.
فاعتقدت بسذاجتها أنه ابتلع طعم الكلمة التي رمتها عمدا ليلقيها هو بتلقائية في سلة الخيال وانتظرته يتابع قوله ويخبرها أنها ليست خطيبته ايضا.
ولكن عمر قرأ أفكارها من بندقيتاها اللتان اصبحتا شفافتان بالنسبة له بعد أن عاشرها لفترة لا بأس بها فاتخذ قراره ألا يخبرها بذلك ليمزق خيوط العاطفة التي بدأت تنسج له داخلها.
اهتاج وحش الغضب داخلها أكثر بعد أن غذته الغيرة التي أحرقت أوردتها دون أن تعي ماهيتها فتفوهت بكمد
وأنا مالي هو أنا هحلل شجرة العيلة بتاعتكوا !
صمتت برهه ثم إندفعت كلماتها التالية دون حسبان منقادة خلف لهب الغيرة الذي يطيح بتعقلها
وبعدين يعني فضلت تصيح ومراتي واللي عملته فيا وفي مراتي و في الاخر اصلا أنت عايش حياتك ونسيت مراتك.
نجحت في نقل بركان الغضب لبقاعه هو فاقترب منها باندفاع وتراجعت بتلقائية حتى حشرت بين جسده العريض والحائط من خلفها فضرب عمر على الحائط بعنف ولطمت أنفاسه وجهها قبل أن تتدفق الشراسة منه حين تشدق
قولتلك مية مرة ماتتدخليش في اللي ملكيش فيه.
على عكس شجاعتها التي هزمت أمام شراسته وعنفه وعلى التوتر بدلا منها قالت بثبات ظاهري واهي
اهو أنت لما متلاقيش كلام تقوله تقول ملكيش فيه هي الحقيقة دايما بتزعل كدا.
أرد أن يرد الصاع صاعين لها فسألها بنبرة ذات مغزى
وأنتي اصلا زعلانة ليه هي مراتي دي كانت من بقية عيلتك
فقدت أي كلمات مناسبة لتكوين اجابة كما توقع تماما فأكمل ببرود مقتضب
ادخلي جوه.
إيه جو سي السيد دا ! مش داخلة.
اعترضت بتذمر فكرر بحزم
قولتلك ادخلي جوه يا نوسين.
لم تكن تملك سوى الانصياع لتلك القوة التي تشع من حدقتيه وتجبرها على الخضوع وهي التي لطالما كانت نمرة شرسة لا تعرف معنى للخضوع فتلفظت على مضض بسخرية
حاضر يا سي السيد.
ثم دخلت للغرفة بالفعل تحت أنظاره المتابعة لها فخرج هو من المنزل صافعا الباب خلفه دبدبت بأقدامها على الأرض في غل جعل من احشائها كالمرجل تغلي دون توقف.
مر يومان..
كان شغل نوسين الشاغل مراقبة عمر ومعرفة من يزوره وترقب مجيء تلك الشابة الملونة بشكل خاص!
تستسلم لم يمليه عليها صوتها الداخلي الذي بدأت تتكهن مصدره ألا وهو قلبها المهتاج بالغيرة ولكنها لا زالت تكتم الاعتراف بذلك.
كلما سمعت صوت باب شقة عمر يفتح فتحت بابها هي الاخرى فتحة صغيرة تستطيع التلصص خلفها ومعرفة شخصية الطارق لاعنة ذلك الباب الذي ليس به عين سحرية لتنظر منها واعتقدت أن عمر لم ينتبه لها في المرات السابقة.
حتى جاء هذا اليوم كانت جالسة وبيدها كوب من الشاي تشربه حين سمعت صوت باب شقة عمر فنهضت على الفور تاركة الكوب على المنضدة ووقفت خلف الباب تحاول الاستماع لما يحدث فلم يصلها أي صوت لذا دون تفكير فتحت الباب ببطء كما كانت تفعل ولكن هذه المرة لم ينقذها حظها كما تظن في كل مرة بل رأت عينا عمر تواجه عيناها في استنكار سافر !
وبيده بضعة اوراق مالية يبدو أنه يدفعهم لمحصل الغاز الواقف أمامه فتراجعت لداخل الشقة على الفور مغمضة العينين تحاول استيعاب أن تطفلها الخفي كشف للتو وعليها التصرف وبسرعة..
وبالفعل نجدتها فكرة قفزت لعقلها فتحركت مسرعة تحاول ملئ الكيس البلاستيكي اسود مخصص للقمامة بأي شيء لتخرجه وكأنها فتحت الباب لتضع القمامة في سلة المهملات الموضوعة أمام باب الشقة.
وحين كانت تدور في الشقة باحثة عن أي شيء تضعه بالكيس وجدت عمر خلفها مباشرة يمد يده بحبة طماطم قائلا بسخرية مرحة افتقدتها نغمة صوته مؤخرا
الطمطماية دي تقريبا باظت ممكن تحطيها معاهم.
تجمدت مكانها للحظات ولم تدر لم هي مكشوفة وتصرفاتها شفافة بالنسبة له لهذه الدرجة على عكسه هو تماما يحيط نفسه بزجاج أسود متين يمنعها من رؤية ومعرفة ما يدور بخلده!
استدارت متحلية بثبات ظاهري وهي تنهره
أنت بتتريق على فكرة أنا بدور على الحاجات البايظة وبرميها فعلا النظافة من الإيمان.
إلتوت شفتاه بابتسامة تحلت بنفس التهكم
إيمان بتسلم عليكي وبتقولك بطلي كدب.
ثم عاد لنقطة أساس هذا الحوار حين أضاف متسائلا
وبعدين تعالي هنا هو كل ما حد يخبط بتفتحي الاول ليه بيوصلك اشعار الاول
هزت كتفاها معا مجيبة ببراءة
دي صدفة.
ردد مستنكرا بتعجب مصطنع
صدفة!
اه قضاء وقدر يعني اعترض بقا.
أكدت متمسكة بالبراءة التي ترسم خطوطها العريضة على ملامحها في تلك اللحظات..
فهز عمر رأسه نافيا وهو يضرب كفا فوق كف
استغفر الله العظيم هو دا اللي ناقص تخليني ملحد.
تحولت نظراتها للدهشة المخلوطة بعتاب مرح
أنا يابني! طب بذمتك مين اللي بيخليك تستغفر وتفتكر ربنا كل شوية مش أنا
الصراحة في دي فعلا عندك حق.
أشارت له بيديها في زهو
شوفت ماتبقاش ناكر للجميل بقا.
غمغم باعتذار كاذب على مضض
معلش يا أخت نوسين أنا ناكر للجميل للأسف ومضطرة تستحمليني شوية كمان بس.
بمناسبة إني أستحملك وكدا أنا همشي امتى عملت إيه مع عمي أنا هفضل مسجونة كدا كتير
إنفجرت بؤرة الاسئلة بوجهه دون مقدمات فصاح فيها
إيه دا راديو! افصلي شوية ومين اللي مسجونة دي!
ردت بهدوء دون تردد
أنا أصل أنا مش متعودة على الحبسة دي عايزه أنزل وأشتغل زي ما كنت.
استحالت لهجته للجدية الصلبة ولم يفصح لها عما يجول بخاطره ألا وهو قراره بتجميع الأموال لعمها بشتى الطرق
لسه ماحليتش الموضوع مع عمك استحملي شوية كمان.
طيب امري لله بس ياريت تنجز الله يباركلك.
عاد يسخر منها بتلقائية وكأنها تفرض عليه السير في مدارها هي الساخر المرح
أي اوامر تانية يا نوسين هانم
هزت رأسها نافية بترفع متعمد
لا شكرا لما يبقى فيه هقولك.
فهدر من بين أسنانه وهو يرفع يديه للأعلى كأنما يناجي الله
يا مصبر الوحش على الجحش.
ثم غادر لتقف نوسين متجمدة مكانها للحظات وكأنها تحاول استيعاب اخر ما ردده وهمست لنفسها مذهولة
أنا جحش!
مر يومين آخرين..
وعمر يحبس نفسه في مهجعه لا تراه طوال اليومين السابقين وكأنه يتعمد إصابة قلبها
والحجة لا تعلم.
إندفعت بالفعل صوب باب شقته وقبل أن تطرقه حاكت جيدا خيوط حجتها التي ستتشكل في اجابتها على سؤاله المتوقع ثم طرقت الباب فتح لها عمر بعد قليل ولا يبدو عليه التفاجؤ من تواجدها !
ترك الباب مفتوح وأشار لها بالدخول ولكن ليس بترحاب سعيد كما توقعت بل بهدوء فاتر
ادخلي يا نوسين.
دخلت بالفعل وثارت ثائرتها بالغيظ الحقيقي منه ففوق أنه لا يسأل عن احوالها ومن المفترض أنها ضيفة لديه يعاملها بفتور بغيض ايضا !
أعلنت ركائز حجتها حين سألته
إيه حليت الموضوع مع عمي ولا لسه
وقبل أن يجيبها تابعت وكأنها لا تنتظر اجابته من الأساس
ولو لسه ماحليتهوش ف أنا هامشي لإن كدا كتير بجد احنا اتفقنا على يومين تلاتة.
لسه ماحليتهوش ومش هاتمشي في حتة يا نوسين مش هنتناقش تاني في نفس الموضوع!
قال بصوت أجش وقد كانت نوسين متربصة لتلك الاجابة وكادت تنطق ولكن أوقفها رنين هاتفه الذي صدح باتصال أجابه عمر بهدوء
ايوه يا عمتي الحمدلله بخير.
استمع لم تقول ثم اومأ برأسه وكأنها تراه
أيوه طبعا فاضي اتفضلي.
ثم نهض متعمدا من جوار نوسين ليدخل غرفته وكأنه يحتمي بها من عينيها التي تود نبش اسراره راغبا في توثيق اعتقادها عن خطبته!
أحست نوسين أنه تركها بتلذذ تعاني على جمر الغيرة الضاري الذي يحرقها حرقا فنهضت دون أن تقدر على السيطرة على قدميها التي تحركت دون اشراف من عقلها ووقفت خلف باب غرفته الذي أغلقه عليه تحاول التنصت والاستماع لم يقوله..
وبعد دقيقة فشلت فيها في تحديد ماهية الحديث الدائر بالداخل فتح الباب بغتة فكادت تسقط على عمر الذي تراجع مسرعا ليتفادى سقوطها عليه فأمسكت رأسها مسرعة وهي تجعل جسدها يترنح عمدا مستطردة
إيه دا أنا دوخت فجأة ضغطي علي ولا إيه ما اصل اللي بيحصلي دا كتير اوي محدش يستحمله.
ثم قال بتهكم مرير
هو انتي ماتعرفيش إنك عيب تتصنتي على حد.
أشارت لنفسها وتكلمت بلهجة غلبت عليها الدهشة المصطنعة
أنا أنا بتصنت دا أنا مش فضولية خالص ولا بحب اتصنت على حد ابدا.
ابدا.
تمتم خلفها ساخرا فتابعت هي بنبرة تحمل معنى مبطن
أنت بس اللي مش طايقني ومستقصدني.
سألها في استهزاء
وهستقصدك ليه مابتاخديش عندي درس
أصرت على إصابة هدفها بمكر انثوي حين صوبت حروفها للمعنى المرغوب
الله اعلم يمكن خطيبتك او عمتك قالولك ماتتعاملش مع نوسين.
صمتت لحظة لم تكن مهلة كافية لرد عمر وأكملت
صحيح هي خطيبتك ماجاتش تاني ليه
أجابها بما أثار غيظها أكثر
طلعيها من دماغك عشان ترتاحي.
ولكنها كبحت غيظها ببراعة حين تشدقت بمرح
والله يا عمر أنا ما هرتاح إلا لما تسيبك منها انا بصراحة مش مرتاحالها.
عقد ذراعيه بابتسامة ساخرة وراح يجاريها دون تفكير
يا سلام من اول مقابلة مش مرتاحهالها يا ترى بقا مش عجباكي ف إيه
مش شبهك كدا مش لايقة عليك.
صاح بذهول
هي فردة جزمة دي انسانة!
بدلت دفة الحوار للسؤال حين أردفت
طب أنت إيه اللي عاجبك فيها
جميلة هادية محترمة لسانها مش متبري منها.
رده جاء بباطنه اشارة متوارية ولكنها استشفتها بسهولة فهزت رأسها بلامبالاة
صفات تقليدية مملة إنما الشقية اللي لسانها متبري منها دي نغشة كدا وتضيف بهجة على حياتك الكئيبة دي.
وكأنه اليوم عزم على قتل مشاعرها في مهدها فقال بجفاف
الصفات دي مش عايزها نهائي ولا عمري هعوزها.
أحست أن كلماته لم تكن تشير نحو الصفات فقط وإنما تشير لها هي.. تنقل لها رفضه النهائي لشخصها.
لذا هزت كتفيها بترفع متمتمة
براحتك.
كادت تسير مبتعدة عنه ولكنه شعر أنهما في خضم لعبة سيدور كلاهما في مدارها دون توقف فتستنزف مشاعرهما دون تتويج نهائي لتلك المشاعر.
لذا دون تفكير جذبها بقوة فجأة من ذراعيها نحوه حتى شهقت وهي تصطدم بصدره الصلب في احتكاك أصاب كلاهما بتيار عاطفي مفاجئ زلزل أرجائهما ولكن عمر كان الأسرع في التخلص من اثر ذلك التيار والعودة لتماسكه الجامد حيث هدر فيها متسائلا
أنتي عايزه إيه بالظبط
لم تتوقع ذاك السؤال وأحست أن تلك الكلمات ما هي إلا مصيدة سيقبض بها على احاسيسها التي تفر من الوقوف على ارض الاعتراف فكان جوابها متلعثم
مش عايزه حاجة.
امال بتعملي كدا ليه مترقبة لأي حد يجيلي ليه بتتدخلي في حياتي اوي ليه مهتمة أنا خاطب هند فعلا ولا لأ لييييه
صرخ بأخر كلماته مصرا على إنتشال ما تطويه في طي الكتمان وحاولت هي التماسك حين غمغمت بحروف مشتتة
أنا آآ.
فصاح فيها من جديد بانفعال
أنتي إيه
أنا بغير عليك.
صرخت بها ولم تصدق أن لسانها فعلها وأفرج عن الاعتراف المحبوس بين ثناياه ولكنه ربما بسبب شعور أنها محاطة بالنيران من الجهتين نيران استمرار التلاعب والتهرب من الاعتراف ونيران مواجهته بذلك الاعتراف فإما يقتل عناده او يقتلها هي!
تراجع عمر خطوتان بعيدا عنها وكأنه يخرج نفسه من هالة تأثير ذلك الاعتراف التي سيطرت عليه لجزء من الثانية.
ثم كان حكمه القاسي بموتها حين صدح صوته الذي أحسته أغلظ من سوط ناري
وغيرتك دي ومشاعرك مرفوضة مش قابلها ولا عمري هقبله
يتبع
أحست نوسين أنها في ساحة حرب وأنه فجر فيها قنبلة مدوية غادرة فتتها لأشلاء حتى ما عادت قادرة على لملمة اشلائها المبعثرة لتعلن أنها خسرت هذه الحرب التي كانت أقصر وأقسى مما توقعت.
ابتلعت ريقها الذي صار جاف ودون أن تنطق بحرف كانت تتحامل على جسدها الذي أحسته مخدر من فرط الشعور بالألم الذي فاض فيه لتغادر تلك الشقة التي صارت فجأة خانقة لأنفاسها التي تخرج منها ببطء وصعوبة وكأنها أنفاسها الأخيرة..
وبالفعل غادرت تحت أنظار عمر المستكينة في ظاهرها ولكن أسفلها فقاقيع من الغضب والسخط من نفسه ولنفسه ضرب بقدمه بقوة المنضدة التي كانت موضوعة جواره مطلقا صرخة متحشرجة كتمها داخلها بصعوبة..
فما أصعب أن تكون بين خيارين كلاهما معذبين وكلاهما من نفسك أن تكون نفسك هي عدوك الذي يصر على تمزيقك بين هذا وذاك دون أن تجد الراحة في كليهما.
فهو قد ظن أنه بعد أن لبى ما يمليه عليه عقله الملبد بمرارة الماضي سينل الراحة التي ينشدها ولكنه أحس أن صخرة الحاضر تجثو فوق صدره كاتمة أنفاسه ودقاته.
ثم جلس على الأريكة واضعا رأسه بين يديه يتنفس بصوت مسموع هامسا لنفسه المهتاجة من بين أنفاسه التي يلتقطها بصعوبة بصوت مسموع
اهدى هو دا الصح واللي كان المفروض يحصل.
وبدأ يحاول أن يجعل السكينة تعم كيانه بعدما بعثر تماما ولكنه كان في مهمة أشقى مما يظن ولم تستسلم السكينة لدعوته بل كانت أبعد مما يمكن أن تطاله دواخله.
اليوم التالي..
كانت أصعب ليلة مرت عليه منذ فترة طويلة ظل يحاول فيها أن يجعل نفسه تتجرع الرضا بما صار ولكن الرضا كان كعلقم يمرر حلقه..
فيما كانت نوسين تشعر بالإنهاك بالإنهيار.. هي التي لم يستطع احدهم يوما أن يسربل مشاعرها به جاء اخر وقبض عليها ثم ازهق أنفاسها بقسوة تاركا إياها تتلوى في قبر الحياة الذي وضعها به.
نهضت لتغسل وجهها الذي صاحبته الدموع طيلة الليلة الماضية ولكنها ستضع حدا لذلك لن تقيم حداد روحي على مشاعر لقيطة رفض صاحبها القبول بها هي أقوى من ذلك ستتخطى تلك العثرة المميتة في حياتها كما تخطت الأقسى منها.
انتبهت لرنين هاتفها الذي صدح قاطعا الصمت من حولها فأمسكت به مجيبة بصوت متحشرج قليلا بسبب بكائها منذ قليل
ايوه يا حسن.
وحسن هذا لم يكن سوى الصبي الذي يساعدها في أعمال الورشة جاءها صوته يحييها بهدوء
ازيك يا نونا
الحمدلله بخير أنت عامل إيه
تمام نحمده بقولك إيه أنا كنت باخد حاجة نسيتها في الورشة ولقيت زبون بعربية شكلنا هنسترزق منها ما تيجي
صمتت برهه من الزمن تدير حديثه بين كافة زوايا عقلها ثم عزمت روحها الملكومة على مخالفة كل ما يريده عمر وألا تجتمع به في مكان واحد بعد الان لذا ردت بحسم
ماشي شوية وهتلاقيني عندك يا حسن.
تمام.
ثم أغلقت الهاتف ونهضت بالفعل لترتدي ملابسها وجمعت كل ما يخصها من هذه الشقة التي صارت تمثل لها اسوء مأوى يمكن أن يأويها وغادرت بهدوء كما أتت.
قبل قليل..
حين كان حسن يخرج من الورشة بعد أن أخذ منها ما يريد وجد أمامه عم نوسين جمال وبجواره رجلان بأجساد ضخمة يبدو أنهما مأجوران.
وزع أنظاره بينهم ثم سأله بتوجس
أنت مين وعايز إيه
قال بنبرة مقتضبة
لمصلحتك بلاش تعرف أنا مين.
فأصر الاخر مستفسرا دون فهم
ليه يعني أنت مين
طالما مصمم تعرف أنا أمين شرطة فين اللي مشغلاك
سأله بحروف غليظة شديدة اللهجة فانتاب الصبي الخوف وهو يسأله
ليه هي عملت إيه يا باشا
صاح فيه بعصبية
أنت هتتدخل في شغلي ولا إيه ناقص تصاحبني كمان هي فين يالا
هز حسن رأسه نافيا بسرعة
معرفش يا باشا هي بقالها كام يوم مابتنزلش.
واللي عايز يوصلها يلاقيها ازاي يعني
أشار نحو منزلها يجيبه مسرعا عله يخلص من هذا البلاء
في بيتها اهوه قريب يا باشا.
فربت جمال على وجنته برفق وتشدق ساخرا
لا نبيه ياض ما احنا روحنا بيتها طبعا وهي مش موجودة فيه.
هز كتفاه في قلة حيلة يحاول إقناعه
معرفش يا باشا أنا اللي أعرفه قولتهولك.
أضاف جمال بحروف خبيثة تعرف مجراها للوصول لمراده
طالما هي مش عايزه تيجي نجيبها بطريقتنا ناخدك على القسم وهي هتيجي على طول.
إنتفض الصبي بفزع
وأنا مالي يا باشا دا أنا غلبان ومليش دعوة بشوف لقمة عيشي هنا بس.
تابع بتهديد مبطن
يبقى تعمل اللي أقولك عليه تتصل بيها دلوقتي وهقولك تقولها إيه وإن غلطت في حرف غير اللي قولته آآ.
قاطعه الاخر بلهفة قلقة
لا لا يا باشا أنا هعمل اللي تقوله.
ربت على كتفه مرددا بنبرة راضية
ايوه كدا جدع افتح يلا اتصل بيها.
وها هو قد ما حقق مبتغاه ووصلت نوسين للمنطقة التي تكمن بها الورشة كانت على مشارف الشارع ورأت من مسافة ليست بكبيرة او صغيرة عمها الذي كان يقف مع هذان الرجلان مترصدين لأي ظهور لها.
إتسعت عيناها بفزع ولم تصدق أن قدرها يتحالف ضدها لهذه الدرجة ودون أن تفكر مرتان كانت تعود للخلف مسرعة كما جاءت تنوي الهرب منه قبل أن يراها ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه وخاصة هي حيث أن عمها لمحها وهي تهرب بعينيه التي تشبه عينا الصقر وإنطلق خلفها مسرعا يأمر الرجلان
إلحقوا هاتوها قبل ما تهرب.
فهو لن يضيع هذه الفرصة من ذهب التي جاءته ولن يتنازل عن حقه فوجد أن أسلم حل أن يجعلها تمضي على بضع وصولات أمانة تضمن له حقها.
واصلت الركض نحو الطريق الذي أرشدها فكرها إليه دون تردد وهو منزل عمر فركبت أول سيارة اجرة قابلتها وهي تقول للسائق لاهثة
اطلع على والنبي بسرعة ياسطا.
وبالفعل إنطلق السائق وعلى عكس ما تمنت كان عمها مع رجاله يلاحقونها في سيارة أجرة فأحست أنها ستلقى حتفها حتما اليوم على يديه.
وصلت للشارع الذي يسكن به عمر ترجلت من السيارة راكضة وهي تلتفت خلفها من حين لاخر حتى لم ترى السيارة التي أتت من الجهة المقابلة ولم تنتبه لها بسبب التفاتتها فاصطدمت بها بقوة ليست كبيرة ولكنها سقطت ارضا وأحست بألم رهيب متفرق في كافة أنحاء جسدها وتحديدا ذراعها.
في نفس الوقت كان عمر يغادر البناية ينوي التوجه نحو منزلها والاطمئنان عليها ولكنه فوجئ بها تركض نحو البناية ودون مقدمات صدمتها تلك السيارة..
ما أن لمح اصطدامها بالسيارة حتى تجمدت حروفه على طرف لسانه وانحسر صوته بين حلقه فاقدا النطق والحركة وتيبست قدماه أرضا شاعرا بأنفاسه تضمحل بين جدران صدره والخوف من فقدانها يهدد مأمنه بعدما كان يظن أنه يحصن نفسه من ألم الوقوع بحبها ولكنه لم يحسب حساب شبح الفقدان الذي كان يطارده في الماضي عاد ليقتله من جديد فبدت روحه خاوية كمن سلبت الحياة منه قهرا.
اخيرا استطاع التحرر من أسر الصدمة وركض نحوها بفزع حقيقي فرق الناس الذين تجمعوا من حولها للاطمئنان عليها وانحنى نحوها ممسكا بها يسألها بلهفة قلب ملتاع
نوسين أنتي كويسة
أطلقت آه متحشرجة معبرة عن ألمها
دراعي اتكسر وجسمي كله مش حاسه بيه شكلي هموت.
كاد يحملها مباشرة دون تفكير ولكنها هزت رأسها نافية بسرعة
لا أنا هقوم.
وبدأت تحاول النهوض فعلا متجاهلة ألم جسدها الساحق فسمعت همهمات من بعض الواقفين
الحمدلله إنها جات على قد كدا حمدلله على سلامتك يا بنتي.
تسلموا.
غمغمت بصوت مكتوم وملامح ملتوية في ألم تحت أنظار عمها الذي كان يراقب ما يحدث بتأهب أمسكها عمر من ساعديها في حنو ليساعدها فمالت بنصف جسدها رغما عنها تستند عليه.
بعد فترة..
عادت مع عمر لمنزلها بعد أن ذهب معها للطبيب ولم يكن بها شيء خطير سوى بعض الكدمات المتفرقة في جسدها وكسر في ذراعها الذي تشعر بثقل فيه بسبب الجبيرة فوقه..
وانتبه عمر بالطبع لعمها الذي لم يتخل عن عناده بالرغم مما حدث وإصراره على المجيء خلفهما لذا أدخل نوسين لمنزلها ثم خرج لعمها أمام الباب قبل أن يفكر في الدخول مانعا إياه بجسده..
فرفع جمال حاجبه الأيسر مستنكرا
إيه هتمنعني أدخل بيت بنت اخويا ولا إيه
دلوقتي افتكرت إنها بنت أخوك وعايز تدخلها بالاتنين اللي وراك دول مش خايف على نفسك حتى بعد المحضر
قالها عمر مشيرا برأسه نحو الرجلان من خلفه فاعترض جمال بتبجح
أنا ماكنتش هعملها حاجة كنت هخليها تمضي على وصولات تضمن حقي بس.
انفعل عمر ولكنه جاهد للحفاظ على انخفاض نبرته وهو يستطرد
حقك مش عندها بس عشان تريح وتستريح أنت عايز فلوسك صح ولا عاجبك شغل البلطجة اللي بتعمله دا
أكد بصوت أجش
أكيد عايز فلوسي.
تفوه عمر معلنا ما قد قرره سابقا وحافظ عليه اسفل بساط الكتمان
فلوسك عندي أنا هجمعهالك واديهالك قريب.
سأله باستنكار مغموس بتبجح لا يصدق
بصفتك إيه
قال عمر من بين أسنانه بخفوت حاد كطرف سكين
وأنت مالك مش أنت عايز فلوسك خدها وملكش دعوة اعتبرني فاعل خير بخلص البت الغلبانة من شرك.
لوى شفتاه متهكما
فاعل خير! هعمل نفسي مصدق.
أشار له عمر نحو السلم وأضاف بنبرة غليظة
اتفضل يلا وخد الدولابين اللي وراك دول لو خلصت كلامك.
رمقه شزرا قبل أن يشير للرجلان بالمغادرة ويغادر بالفعل على مضض فهو لا يهمه نوسين ولا أي شيء خاص بها لا يهمه سوى امواله.
كاد عمر يدخل لمنزل نوسين من جديد فوجدها أمامه قرب الباب تقابله بملامح متصلبة كتمثال مسلوب الروح وكأنها تخبره بصمت أنه من صنع يديه.
قطعت الصمت بصوتها الخاوي
مين اللي كان هنا عمي
اومأ برأسه متنهدا يختصر كل ما حدث في جملة قصيرة ملغمة بالغموض
اه وأنا مشيته خلاص.
انتابها قليل من التعجب ولكنها لم ترد أن تفتح مجال للحديث بينهما مرة اخرى ربما يظنها تتعمد ذلك وهو اخر ما تريده حاليا.
أعربت عن تفكيرها بنغمة صوت صلدة بها شيء من الاستنكار
وأنت مامشيتش وراه ليه
تلفظ بعينين متسعتين رسمتا الصدمة المصطنعة ببراعة
أنتي بتطرديني يا برقوقة
أكدت دون تردد بلامبالاة
اه شكر الله سعيكم لحد كدا.
تنهد عمر بصوت مسموع مقررا أن يفصح عما يضج به صدره
كان لازم أطمن عليكي الأول.
أطلقت ضحكة قصيرة ساخرة مسلوبة المرح قبل أن تتشدق
ودا من أمتى ان شاء الله ولا ليكون واحد تاني هو اللي قالي أنتي مشاعرك مرفوضة بالنسبالي.
ايوه أنا بس دا قبل ما أتحط في اختبار حقيقي ل إني أخسرك لما العربية خبطتك وتخيلت ولو لثانية إني خسرتك حسيت إني لا مستحيل أقدر أخسرك لو خسرتك هتدمر.
فاضت من كلماته مشاعره المعذبة بسطوة الكتمان ولكن لم يقابلها سوى ملامح رخامية صلبة وعينان ميتتان تخبراه بجمود
متأخر اوي اطلع برا.
اقترب منها خطوة محاولا إقناعها بعينيه التي ضاقت حتى بزغ التوسل منهما
أنتي لازم تفهميني وتقدري الصراع اللي كنت فيه صراع ما بين وفائي لمراتي اللي ماكنتش أتخيل إني أحب غيرها وحبي ليكي اللي كان مسيطر عليا وكنت مخنوق إني ماقدرتش أحجم مشاعري دي وكمان جه موضوع الست دي وكذبك عليا ف كملت.
هزت كتفاها ببساطة
اديك ارتحت من الصراع دا اتفضل يلا لو سمحت.
هز رأسه نافيا وراح يسرد لها عن مشاعره التي عكسها تيار عناده فارتدت لصدره كأشواك حادة إنغرزت بصدره فجعلته ينزف ببطء بعد أن فعلها ورفض مشاعرها
كنت مفكر إني هرتاح بس مارتحتش كنت هتقهر ولو كلامي وجعك قيراط ف وجعني ٢٤ قيراط.
عقدت ذراعيها معا وأنبأته بسماجة مقصودة
اسفة مشاعرك مرفوضة وبعدين يمكن دا تأنيب ضمير عادي من الانسان اللي جواك او ممكن تكون اتعودت على وجودي مش أكتر.
نفى على الفور
لأ مش تأنيب ضمير ولا مجرد تعود.
كانت نظراتها ثابتة بنفس الجمود الصامت ونبضة ضعيفة أسفل ذاك الجمود تترقب اعترافه بقلب خائن يتلهف لمن أدماه وحين لم ينطق على الفور دفعته بقوة تجاه الخارج حتى وقف أمام الباب وقبل أن تغلقه بوجهه كان يضع قدمه ليمنعها وأدخل رأسه ليسترسل بشقاوة
استني بس هقولك حاجة مهمة.
زفرت مقلبة عينيها في ملل ظاهري
ياريت تنجز وتراعي إني واحدة لسه متدغدغة ومحتاجة أرتاح.
غامت عيناه بعبث وهو يتابع بكلمات تراقص المكر بينهما
جمعي أول حروف من الحيوانات دي بقرة حصان بقرة كلب .
تجمعت الكلمة بعقلها لتصبح بمثابة مياه جاءت لتزهر أرض قلبها القاحلة بعد قحط ظنته سيكون طويل الأمد وأصبحت دقاتها في حالة هرج ومرج دون أن تقدر على كبح تأثيرها عليها ولكنها على الأقل حافظت على ضبابية ذلك التأثير عن عينيه ودفعته مسرعة مغلقة الباب في وجهه فسمعت ضحكاته الرجولية تعلو فحتى وإن جاهدت لتنكر ذلك ولكن قلبه ينبئه أن صاحبه قلبها يهتاج مهللا قبل أن يواصل بنبرة صبيانية
براحتك مسيرك هتجيلي برجليكي لحد عندي يا برقوقة.
ثم تنهد وهو يغادر على مضض وبقايا ضحكاته لازالت عالقة بفمه راضيا
بعد اسبوع
تعافت نوسين نوعا ما من الكدمات التي أصابت جسدها ولكن ذراعها لا زالت تعاني منه ومن ألمه ولكنها قررت أن تنزل لورشتها تشرف على بعض الأعمال التي ستوكل حسن بها الذي ما أن رأها حتى سارع يبرر لها ويقسم أنه لم يكن يعلم أنه عمها وظنه أمين شرطة بالفعل وراعت هي خوفه الطبيعي بسبب سنه الصغير ولم ترد أن تحمله
متابعة القراءة